في تجربة الفنان إسماعيل الرفاعي، تتقاطع الجغرافيا مع الذاكرة لتشكّل مساراً فنياً ممتداً بين سوريا، حيث البدايات الأولى على ضفاف الفرات، والإمارات، حيث اتسعت التجربة وتبلورت ضمن مشهد ثقافي نشط ومفتوح على التحوّل. يحمل الرفاعي في أعماله أثر المكان الأول، بما فيه من تفاصيل الحياة اليومية وإيقاعاتها البصرية، ويواصل تطوير هذا الأثر ضمن بيئة تتيح له تعميق أدواته وتوسيع مجالات اشتغاله الفني والأدبي.

ينتمي الرفاعي إلى جيل من الفنانين الذين اشتغلوا على أكثر من وسيط تعبيري، فهو فنان تشكيلي وكاتب وشاعر، تخرّج في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وراكم حضوراً في معارض ومشاركات عربية ودولية، إلى جانب منجز أدبي يمتدّ من الشعر إلى الرواية. وقد شكّلت الجوائز التي نالها محطات بارزة في مسيرته، من جائزة الشارقة للإبداع العربي عن رواية «أدراج الطين»، إلى جائزة غانم غباش للقصة القصيرة، وجائزة دبي الثقافية، والجائزة الأولى في المعرض السنوي لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وجائزة نقيب الفنون الجميلة في سوريا. كما قدّم أعمالاً تجمع بين البعد البصري واللغوي، من بينها «وعد على شفة مغلقة» و«عند منعطف النهر»، حيث تتداخل الكتابة مع التشكيل ضمن رؤية واحدة.

يشكّل هذا الحوار أول حلقة ضمن سلسلة مطوّلة مخصّصة لتجربة إسماعيل الرفاعي، تُنشر حلقاتها تباعاً على موقع «هلات» في قراءة تتدرّج في الاقتراب من مسارات هذه التجربة وتحولاتها. وفي هذا الجزء، يفتح الرفاعي الحديث على بداياته الأولى في الميادين، وعلى أثر المكان في تشكيل وعيه الفني، كما يتناول حضور الفرات في لوحاته ونصوصه، ويضيء على العلاقة بين الرسم والكتابة كمسارين متداخلين في مشروعه.

كما يتوقّف الحوار عند التحوّلات التي شهدتها تجربته، من مراحل التجريب والتجريد إلى اشتغال أكثر ارتباطاً بالذاكرة والوجوه والتجربة الشخصية، إضافة إلى أثر الاغتراب والإقامة في الإمارات في تعميق مشروعه الفني والأدبي. ويقدّم بذلك قراءة مباشرة في تجربة تتشكّل عبر التراكم، وتتحرّك بين أكثر من وسيط، حيث تتقاطع السيرة مع العمل، وتتحوّل الذاكرة إلى عنصر فاعل في بناء الصورة والنص.

 كيف أثّرت طفولتك على ضفاف نهر الفرات في تشكيل رؤيتك الفنية وأسلوبك؟

أعتقد أنّ المكان الذي نولد فيه، هو المكان الذي لا سبيل إلى الافتراق عنه مهما تناءت بنا الأمكنة.. نحمله بداخلنا أينما توجّهنا وأينما وضعنا رحالنا. وربّما تصبح الأمكنة التي شهدت خطوتنا الأولى، بمثابة عتبة أولى نخطو عبرها نحو العالم بأكمله.. وكأنّها بطريقة ما تغدو بوابة للأرض.. سواء كانت تلك الأرض "الافتراضية" التي ننهل منها بعض مكوّنات أعمالنا الإبداعية، والتي نطوف بأرجائها بحثاً عمّا يعكس عالمنا الداخلي أو بعضاً مما يعبّر عن رؤانا وتصوّراتنا الجمالية؛ أو تلك الأرض "الواقعية" بكل ما تمثّله من التجارب التي خضنا غمارها أو الخبرات والمعارف البصرية والثقافية التي اكتسبناها..

وهناك في مدينة الميادين وعلى ضفاف الفرات.. كان أوّل تشكّل للخبرات والمعارف وتنامي الذائقة، والتي هي بالتأكيد شكّلت عاملاً حاسماً في بلورة الطبائع والميول الشخصية والوعي الأوّلي لتلقي وفهم العالم الذي يحيط بنا.. لقد كانت الميادين بمثابة مصبٍّ لمختلف القرى التي كانت تحيط بها، وفي أسواقها المقبية وساحاتها ودكاكينها، كانت المحاصيل وخيرات الأرياف ومختلف منتجاتها تأتي محمّلة في "العبّارات" وعلى ظهور الريفيات التي كنّ يتوافدن بهيئاتهن العارمة وثيابهن الملونة.. كان مهرجاناً يومياً وحياة حافلة بالألوان والأصوات وروائح السمن العربي والخضروات الطازجة. ذلك هو المشهد اليومي الذي كنا نبصره في طفولتنا البعيدة.. والذي تجلى فيما بعد في العديد من النصوص الأدبية والأعمال الفنية التي أنتجتها.. فهناك كانت المغامرات الأولى واللحظات الأولى لاكتشاف الذات وتلمّس الأشياء وتشكل الملامح التي ربما لا تزال تشكل قسماتنا الأوضح في كل ما نبديه أو نخفيه. وهناك كان النَّفَس الأول، الذي يمثل بالتأكيد رئة أخرى للحياة.. مثلما كان الفرات يمثل رئة أخرى للمدينة.

ربّما تكون هذه مقاربة بسيطة لما يمكن أن تسهم به الأمكنة التي ولدنا فيها بكل ما تنطوي عليه، بتشكيل ذائقتنا ومسارات حياتنا المختلفة.. فعلى كل حال لا يمكننا أبداً معرفة الآليات أو الأشياء التي تؤثر حقّاً على تكوين وتحديد طبيعة وإمكانيات قدرتنا على الإبداع والخلق.. فبالنسبة لي يشكل هذا الأمر أحد الأسرار العظيمة التي تتعلّق بطبيعة وماهية الفن.. فثمة بالتأكيد ما هو أكبر وأبعد من التأثيرات المباشرة التي يتعرض لها أو يعايشها الفنان..

وبرأيي أن الفن يصبح فناً حين يتحوّل فيه المعطى الشخصي والعابر، إلى معطى كوني وأكثر ديمومة حتى وإن كان ينطوي على أكثر التفاصيل الشخصية حميمية وخصوصية.. والفنان بالتأكيد هو أيضاً سليل الأمكنة على اتساعها، والأزمنة على امتداداتها.. والمصائر على مآلاتها.. إنّه وريث الحلم والمخيلة التي ما زلت تشكل الأجنحة الأكثر قدرة على المضي عالياً عالياً.. حيث ثمة دائماً سموات لم تكتشف بعد، وثمة أراضٍ ينبغي اكتشافها وسبر كنوزها.

كيف انعكست الطبيعة والألوان الخاصة ببيئة الميادين على لوحاتك الفنية؟ وهل ما تزال ملامح تلك المدينة تظهر بشكل أو بآخر في أعمالك الحالية؟

في مقتبل التجربة.. كان البحث منصبّاً على تطوير الأدوات الفنية، وامتلاك القدرة على التعبير الإبداعي، وكانت تلك المرحلة تتّسم في غالبها بالتجريب التقني والأسلوبي والبحث عن الخصوصية والتفرّد في ظل هيمنة التجارب الفنية المكرّسة وطبيعة المنجز البصري العام، كما تتسم في الوقت نفسه بالتنقيب في العالم الداخلي، ومحاولة التعبير عن الأصوات الأكثر علوّاً بداخلنا. آنذاك، وفي خضم تلك المعمعة، لم يكن ثمة إمكانية كبيرة لظهور تلك التأثيرات العميقة بشكل مباشر وجلي.. لقد كان ذلك يتطلّب نضوجاً في التجربة، ووضوحاً بالرؤية، وقدرة على التخلص من ظلال الفنانين الآخرين، والتي يمكن أن تكون قد خالطت التجربة بشكل أو بآخر..

غير أنه يمكن تلمّس تلك التأثيرات في أكثر من مرحلة.. ففي مرحلة التجريد التي يمكن اعتبارها مستهلاًّ لمسيرتي الفنية، نلمح فيها البنيان المعماري لطبيعة البيوتات الطينية في منطقة الميادين وريف الفرات، كما نلمح الألوان الترابية التي تميّز تلك المنطقة وتقاطعاتها مع مساحات الأزرق بتدرجاتها وانعكاساتها المختلفة والتي يمكن أن تشير إلى الفرات نفسه ..إن تلك المرحلة موسومة بألوان الفرات مع نزوع لاكتشاف توليفات وتجاورات لونية جديدة، والتي ربما تكون قد شكلت المنطلق الأولى لنمو التجربة الفنية..

ولا شك أن أبرز التأثيرات تلك التي استعارت ملامح الشخوص الذين عايشتهم في الطفولة والصبا، والتي تغلغلت قسماتهم في أغلب الوجوه التي رسمتها فيما بعد، لا سيما وجه أمي الذي تكاد تكون ملامحه ماثلة في معظم الوجوه التي رسمتها على امتداد مسيرتي الفنية.

وثمة أيضاً العديد من التأثيرات الضمنية التي تتعلق بالإيقاع الداخلي للعمل والمناخ البصري ذاته الذي يحيل إلى مناخات منطقة الفرات وإيقاعاتها البصرية الخاصة.. وكما أسلفت، فإنه من الصعوبة بمكان رصد تلك التأثيرات بشكل واضح ومباشر على مستوى النص البصري الذي ينطوي على إيقاعات ومناخات متداخلة ومركبة رغم بساطتها البادية..

أما على صعيد النص السردي فقد كانت منطقة الميادين ومدينة دير الزور، هما المسرح الذي جرت عليه وقائع وأحداث روايتَي "أدراج الطين"، و"نقوش على خشب الصليب"، بالإضافة إلى العديد من النصوص الواردة في كتاب "عند منعطف النهر".. فالمكان في هذه الإصدارات حاضر بقوة، حتى أنك تكاد تتنشّق رائحة الزيزفون وتشعر بنداوة الفرات تلامسك في الفصول والعبارات المكتوبة بمداد الفرات نفسه، وكأن المكان يلعب أحد أهم الأدوار في الأعمال التي كتبتها، والتي كان الفرات بكل ما ينطوي عليه من رمز ودلالات، حاضراً فيها بقوة ووضوح.

إذاً، هل يمكننا القول إن تفاصيل نشأتك وملامح مدينتك تتجلّى بوضوح أكبر في نصك الأدبي مقارنة بنصّك البصري؟ حدثنا عن طبيعة علاقتك مع هذين الوسيطين.. كيف بدأت، وإلى أيّ منهما تشعر أنك تنحاز أكثر؟

 ربّما، وأعتقد أنّه إن صحّ ذلك، فلأن ذلك يعود إلى طبيعة الوسيط الإبداعي نفسه، فالكتابة تحتمل إطلاق العنان للذاكرة، والاسترسال بالتفاصيل، والانتقال بالأمكنة والأزمنة كيفما يشاء الكاتب، وخصوصاً في النصوص السردية. أما المشهد في اللوحة فهو بطريقة ما، ماثل في مكان وزمان محدّدين، وبالتالي ثمة انحسار جزئي للذاكرة التفصيلية لصالح المجازي والتخييلي..

أما عن طبيعة علاقتي بالرّسم والكتابة، وإذا عدنا بالذاكرة بعيداً وأغفلنا رسومات الطفولة التلقائية، فإنّ التعبير من خلال هذين الوسيطين قد تزامن تقريباً في المرحلة نفسها.. وبالتحديد في مرحلة التشكل والإحساس بالهوية الفردية والنزوع نحو التعبير عن التحولات الجسدية والوجدانية التي مررت بهما أثناء المراهقة وفي علاقات الحب الأولى..

وإن كانت الكتابة هي الأقرب آنذاك، ولاسيما الكتابة الشعرية، التي بدأت ممارستها في عمر السادسة عشرة تقريباً مع انتشار قصيدة النثر والتنظير الكبير لها، وبداية تعرفي إلى مجموعة من شعراء قصيدة النثر المعروفين على مستوى محافظة دير الزور آنذاك.. وكنت أمارس الرسم بحدود بسيطة، هنا وهناك وفي مناسبات قليلة..

والحقيقة بقي الشعر هو الأقرب لي حتى أثناء دراستي في كلية الفنون الجميلة.. وكان إنتاج اللوحات لا يتعدى في ذلك الوقت مشاريع الكلية، ولوحات الاستشراق والكلاسيك التي كان سوقها رائجاً في ذلك الوقت، والذي كان أغلب طلاّب الفنون يلجؤون إليها لتلبية احتياجاتهم الدراسية والمعيشية.

ولم يكن ثمة احتراف حقيقي وممارسة يومية للرسم في تلك المرحلة، وحتى في المرحلة التي أعقبت تخرّجي من الكلية، وإن ارتفعت قليلاً وتيرة الإنتاج، وأصبحت أشارك ببعض المعارض الجماعية في دمشق ودير الزور، غير أنّ هويتي الفنية وأسلوبيتي الخاصة لم تكن قد تبلورت بعد. من جهة أخرى فقد كان لي بعض المشاركات في الأمسيات الشعرية التي كان يقيمها فرع اتحاد الكتاب في دير الزور.. إلى جانب اللقاءات شبه اليومية مع الأصدقاء، والتي كانت حافلة دائماً بالقصائد الجديدة التي كنا نقرؤها لبعضنا البعض.

وقد استمرّ الحال على هذا المنوال، حتى شاءت الظروف أن أغادر سوريا إلى دولة الإمارات العربية في نهاية عام 2002، ولم يكن في جعبتي سوى المجموعة الشعرية "وعد على شفة مغلقة" التي كنت قد أصدرتها عن طريق "دار كنعان" قبل فترة بسيطة، وبعض المشاركات الفنية البسيطة التي تُوّجت بجائزة "نقيب الفنون الجميلة" في العام نفسه..

ذلك هو الإرث الذي حملته معي من سوريا، مشفوعاً بحلم غامض عن تجارب في الكتابة والفن تنتظرني هناك في غضون اغترابي الطارئ.. ولم يكن في جعبتي سوى كتاب "الأقوال والمخاطبات" للنفّري، ونسخ محدودة من مجموعتي الشعرية ليس إلا.

كيف أثّر الاغتراب عن بلدك على التقنيات التي تستخدمها في الرسم؟ وهل دفعك الحنين لتجربة طرق جديدة للتعبير عن ذكرياتك؟

منذ أن غادرت سورية.. كان الرّهان الوحيد الذي عقدت العزم على تحقيقه، هو الرّهان على مواصلة وتعميق مشروعي الإبداعي. كان هذا الأمر واضحاًَ جداً بالنسبة لي، ولا يمكن المساومة عليه. والحقيقة أنّ وجودي في دولة الإمارات، وبالتحديد في إمارة الشارقة، قد ساعدني تماماً على تحقيق ذلك. فالبداية الحقيقية لنضوج تجربتي الفنية على الصعيدين الأدبي والتشكيلي، قد حدثت هنا.. لقد كنت محظوظاً بقدومي إلى هذا البلد..

فقد تسنّى لي العمل محرراً وباحثاً في القطاع الفني والثقافي في حكومة الشارقة، وبقيت حتى هذه اللحظة في تماس حقيقي ومباشر مع مختلف المستجدات في عالم الفن، كما أنني حصلت فور وصولي على مرسم في "رواق الشارقة للفنون" (بيت عبيد الشامسي)، الذي كان يضم عدة مراسم تقدمها حكومة الشارقة مجاناً للفنانين على اختلاف أساليبهم وجنسياتهم.. وكان المرسم يبعد عدة خطوات فقط عن مكتبي في متحف الشارقة للفنون.. لقد كان هذا الحدث فارقاً تماماً في حياتي، وشكّل نقلة نوعية مهمّة على صعيد إنتاجي الفني والأدبي.. فإذا كان الخذلان والإحساس بالعجز قد دفعاني لمغادرة سوريا، فإنّ الأمل والحلم الذي بدا تحقيقه متاحاً هنا، هما اللذان أبقياني في الشارقة.

أمّا عن ذاكرة الحنين، وتجليّات ذلك في النص الأدبي والفني.. فبالتاكيد كان لتلك الذاكرة أثرها وتأثيرها الدامغ في بعض المراحل التي وسمت تجربتي على مختلف تعبيراتها الفنية.. ولعلّني أعود إلى البدايات الحقيقية لمشروعي الفني والتي كانت قد بدأت في الشارقة كما أشرت سابقاً، ومع مرحلة "التجريد" التي استمرت حوالي ثلاث سنوات، والتي كانت مشفوعة بهاجس البحث والتجريب ومحاولة إيجاد أسلوبية خاصة في هذا النمط من الفن، عبر البحث عن صياغات بصرية جديدة وتوليفات لونية تختزن قيماً عاطفية وتعبيرية وجمالية في الوقت نفسه، مع تكوينات جديدة تستطيع أن تكون حاملاً لعالمي الداخلي وتجلياته المرئية..

والحقيقة لم أشعر بأن ثمة ما يروي ذلك العطش الكبير والنزوع المتأجج نحو التعبير.. كان العمل مستمراً ومحموماً، ولم يكن ثمة شواغل أخرى غير هذي الشواغل التي كانت تملأ رأسي.. ثم حدث التحول الكبير والمفاجئ، والقطيعة الكلية مع التجريد وفي اليوم نفسه الذي سمعت فيه خبر رحيل والدتي، رحمها الله، في العام 2005.. وقد كان هذا هو خوفي الأكبر منذ أن غادرت.. خوفي أن تفارق أمي دار الفناء هذه وأنا في الغربة، ودون أن يتسنى لي وداعها.. وكان رحيلها مفاجئاً ومفجعاً..

حينها شعرت بأنّ كل شيء قد تغير.. وبأنني أصبحت بطريقة ما أعزلاً ووحيداً بمواجهة هذا العالم.. ولا أدري، فلعلّ الأم هي التي تمنحنا شعور الأمان طالما هي على قيد الحياة، وأن وجودها يشكل ما يشبه حبل السرّة الذي يربطنا بالحياة نفسها، وأنها ما أن تغادر عالمنا الأرضي، حتى ينبغي علينا أن نولد من رحم الأرض مرة أخرى، وأن نعيد خلق أنفسنا من جديد..

في تلك الآونة حدثت قطيعة مع التجريد وتحوّل كلي في طريقة النظر إلى العالم، وكان أول عمل أنتجته بعد رحيلها هو صورة شخصية لها، ثم توالت الأعمال التي تحاكي روحها الجليلة، وتحاكي وجهها في تقاسميه الوداعية، وتنهل من ذاكرة الحنين ومن الوجوه الطيّبة والبيوت الطينية ورائحة الزيزفون.. كما تحاكي الفرات بمساحاته الخضراء والواحات المائجة على ضفتيه السادرتين.

في تلك الفترة أيضاً كنت أعمل على رواية "أدراج الطين" وكنت قد أنجزت فصلين منها، ثم أضفت بعد رحيل والدتي فصلاً أخيراً حمل عنوان أدراج السماء. وكانت الرواية أقرب إلى سيرة ذاتية بإيقاعات شعرية خاطفة ووامضة، وكان ذلك العالم الروائي مشيّداً على أرض الميادين، بتفاصيلها اليومية وحكاياتها وشخوصها وأحلام ساكنيها.

وهكذا دواليك.. استمّرت التجربة بالتطور والتنامي والتحولات التي كانت تتصادى على الدوام مع العالم الداخلي أوّلاً، ومع انعكاسات العالم الخارجي على بنيته الدفينة ونوازعه الجمالية نحو التعبير.

هل ترى أنّ الميادين مدينة ملهمة بحدّ ذاتها؟ وهل تجد أنّ لنهر الفرات دوره في هذا السياق وفي تشكيل هويتك الفنية بطريقة ما؟ 

في رواية "نقوش على خشب الصّليب" أتذكر أنّ عبارة (المصائر تتشكل حسب الأمكنة) قد وردت على لسان الرواي.. وأتذكّر أنني توقفت عند هذه العبارة التي بدت لي فور كتابتها غامضة وملتبسة وتحتمل أيضاً الخطأ والصّواب.. لقد شعرت حينها بأنها عبارة قد تثير القلق.. والحقيقة لم أكن متيقناً أن الأمكنة قد تشكل المصائر، بقدر ما أميل إلى الاعتقاد بأن ثمة قوى كامنة في دواخلنا هي التي يمكن أن تدفعنا للمضي بهذا الاتجاه أو ذاك..

غير أنه بالتأكيد للأمكنة أيضاً دورها في تأثيث الذاكرة والمخيلة.. والميادين في هذا السياق، لا تختلف كثيراً عن سواها من المدن المتناثرة في شرق سوريا، سواء في بنيتها الاجتماعية أو في منظومتها الأخلاقية والمعرفية..

ولا شكّ أنّ للفرات خصوصيته هنا.. وأنه قد يكون عاملاً مؤثراً في صياغة وإغناء قاموسك اللغوي ومفرداتك البصرية.. كما يمكن أن يكون له أهمية في تشكيل مزاجك الجمالي وقد تكون له علاقة بالتنوع والتدفق الإبداعي ذاته.. لكن الميادين على كلّ حال.. بغيضها وفيضها، بما لها وما عليها، كانت وما تزال تشكل أحد أهم الروافد التي أنهل منها في الكتابة والرسم، وهي ماثلة في الذاكرة.. أحياناً مثل جرح، وأحياناً مثل وردة لا تكفّ عن الأريج.

مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية