في هذا الحوار ينفتح الشاعر جميل داري على سيرة شعرية تشكّلت باكراً من القراءة المهووسة والإنصات العميق للقصيدة، سيرة تبدأ من الصفوف المدرسية الأولى ولا تزال تتحرّك في أفق السؤال ذاته: كيف يمكن للشعر أن يكون حياة كاملة، وهواجس لا تهدأ، ومطاردة دائمة لنصّ يتمنّع عن الاكتمال. منذ تلك اللحظة التي رأى فيها الشعر كلاماً «جنّياً» يتجاوز حدود الإنس، تتكشّف ملامح شاعر عصامي، بنى أدواته من النصوص المدرسية، والعروض الذي علّمه لنفسه، والوحدة التي رافقته في غرف ترابية ضيّقة جمعت الفقر والفئران والقصيدة في مشهد واحد.

يقدّم جميل داري تجربته باعتبارها مساراً طويلاً من الشكّ والبحث والتأمّل، حيث تتحوّل القصيدة إلى سؤال مفتوح لا يطمئن إلى جواب، وإلى حلم بعيد يسعى إليه من دون ادّعاء الوصول. من لقاء مبكر مع كلمات ميخائيل نعيمة التي نبّهته إلى الحاجة للروية والعمق، إلى وعيٍ متزايد بأن الشعر فعل مطاردة لا صيد نهائي، تتبدّى رؤيته للشعر كرحلة في العتمة بحثاً عن نجمة تائهة تشبه صاحبها.

في حديثه عن لغته وتجربته، يبرز التكثيف مبدأً أخلاقياً قبل أن يكون خياراً جمالياً، كما يتبدّى انحيازه الواضح إلى الشعر بوصفه موقفاً من واقع اجتماعي قاسٍ، وانحيازاً إلى المظلومين والمهمّشين، ورفضاً لأي حياد بارد أمام القبح والظلم. ضمن هذا السياق، تتشكّل علاقته المتحفّظة مع قصيدة النثر، وإيمانه بالإيقاع الداخلي، وحنينه إلى موسيقى الفراهيدي التي استقرّت في السمع والذاكرة.

ديوان «لا جناح لي» يشكّل ذروة مكثّفة لهذا المزاج الشعري، حيث تتقاطع الهشاشة الشخصية مع الإحساس الجمعي بالعجز والقهر، ويغدو الشعر السلاح الأخير للدفاع عن النفس والحياة. بين الألم والجمال، بين المقاومة والنجاة، يضع الشاعر تجربته في تماسّ مباشر مع واقع عربي مثقل بالخيبات، ومع تجربة كردية سورية مشبعة بالمنفى والذاكرة والقلق الوجودي، من عامودا إلى حلبجة، ومن القصيدة القومية الإنسانية إلى نقد الاستبداد والتهميش.

هذا الحوار لا يقدّم إجابات مطمئنة بقدر ما يفتح مسارات للتفكير في معنى أن يظل الشاعر غير راضٍ عن صوته، وأن يشعر بأن الأجمل لم يُكتب بعد، وأن تبقى القصيدة فعل ترميم للروح، وحملاً لصخرة سيزيفية لا تنتهي. في النهاية، يقف جميل داري أمام سؤاله الأقدم والأقسى: هل عرف نفسه حقاً، أم ما زال يمرّ بها من دون أن يراها؟

بدايةً كيف تقدّم سيرتك الذاتية الشعرية للقارئ؟ وما المحطات الأساسية التي شكّلت وعيك الإبداعي والإنساني؟

لا أتذكّرني إلّا وأنا أقرأ الشعر، وأهابه، وأقول لنفسي ثمّة كائنات غير مرئية هي التي تكتب هذا الكلام الجنّي الذي لا يمتّ للإنس بصلة.

في الصف السابع قبل نصف قرن كنت ألتهم كتب اللغة العربية التهاماً، ولا سيما الشعر الذي جعلني كالمسحور، أقرأ القصيدة مراراً، ولا أملّ منها، وقد جرّبت أن أكتب مثلها دون جدوى، فكلامي ساذج مقارنة بهلاء الذين امتلأتُ بهم حتى النخاع.

ثمّ جاءت المرحلة الثانوية، وفيها اطلعت على الشعر في عصوره القديمة والحديثة، وعلّمت نفسي العروض بعد أن أخذت عنه فكرة من قريب لي.

أذكر أنّي قرأت قصيدة مالك بن الريب في رثاء نفسه:

أيا صاحبيْ رحلي دنا الموتُ فانزلا        برابيةٍ إنِّي مقيمٌ لياليا

فعارضته بأبياتٍ منها:

كأنَّ دياري أصبحَتْ بعدَ حبّيا           سوادَ ليالٍ أو خطوبَ العواديا

دعوتُكَ -يا ربّي- نهاراً لياليا             لترحمَ أشجاني ومأساةَ حاليا

وقتها لم يكن ثمّة أحد يأخذ بيدي، بل كنت عصاميّاً أستمدّ الوحي من النصوص المبثوثة في كتاب اللغة العربية .

ثمّ تطورت موهبتي في المرحلة الجامعية، فقد درست اللغة العربية في جامعة حلب"أونلاين" دون دوام، كنت أعمل صيفاً، وأجمع مصروف الشتاء تماماً كما يفعل النمل، وخلال السنوات الأربع كتبت نصوصاً شعرية ومقالات أدبية، وراسلت مجلة الثقافة الأسبوعية لمدحت عكاش، ثم جريدة تشرين ومجلة الموقف الأدبي، وكان ذلك أول منفذ لي في عالم النشر.

كنت وحيداً في غرفة ترابية تتبارى فيها الفئران والفقر والشعر. ثمّة تفاصيل كثيرة في بداياتي الشعرية تحتاج إلى سرد السيرة في صفحات طوال.

كلّ ما أعرفه أنّ الشعر أصبح هاجسي الأول والأخير، وكان مضمونه اجتماعيّاً غزليّاً بالدرجة الأولى. وكنت أكتب أنواع الشعر المختلفة: العمودي والتفعيلي والنثري، وما زلت أكتب بالحماس نفسه، كأنّ المسافة بيني وبين ذاك الزمن ليس خمسين عاماً، بل خمس دقائق

كيف تعرّف تجربتك الشعرية اليوم بعد مسار من الإصدارات والكتابة المتواصلة: هل تراها تطوّراً في الرؤية أم تعميقاً لأسئلة قديمة ترافقك منذ البدايات؟

ذكّرتني بقول ناظم حكمت: أجمل القصائد تلك التي لم أكتبها بعد.

سؤالك الجميل هذا يتضمّن الإجابة، فقد تطوّرت رؤيتي الشعرية ورؤياي، وأصبحت القصيدة/ الحلم بعيدة عنّي أسعى إليها دون الوصول حتى هذا الهزيع، وربما هذا ما جعلني حتى الآن أطاردها على أمل أن أصطادها في لحظة ما.

كما أنّ الشعر هو السؤال الذي لا يركن إلى الأجوبة، فالجواب يعني النهاية، والشعر بداية لا نهاية له، لذلك يأخذني السؤال إلى السؤال، وكأنّي أسير في ظلام دامس حالماً بنجمة تائهة مثلي حتى قلت يوماً:

أمرُّ بي لا أراني            مرورَ أعمى بثانِ

عام 1984 وقع ديواني الأول في يد ميخائيل نعيمة، فكتب عليه ما يلي:

"الأخ جميل داري.. أتمنّى لك في عالم الشعر عمق الروايا".

وقتها عرفت أنّي أفتقر إلى الروية والعمق والتأمّل، فجعلت من كلامه نبراساً أسير على هديه إلى يومنا هذا، ولست أدري إن كنت وصلت إلى عمق الروايا أم ما زلت أطوف حولها؟

ما العوامل الأولى التي أسهمت في تشكيل صوتك الشعري، وما الذي بقي منها حاضراً في كتابتك حتى اللحظة؟

ولدت موهبة الشعر لديّ في سنّ مبكرة، فقد وجدتني غارقاً في خضمّه، مأخوذاً بلآلئه التي لم أستطع صيدها حتى الآن، لكنّي لم أكلّ أو أملّ، وقد بلغت من العمر عتيّاً، وما زلت على العزيمة نفسها على الرغم من كلّ النكسات والنكبات على المستوى الفردي والاجتماعي.. فكلما ضقت ذرعاً بالواقع كنت ألجأ إلى الشعر وكأنّه الخلاص من الواقع المتردّي الذي عبّرت عنه في ديواني الثاني والثالث( إنّ القرى لم تنتظر شهداءها، وظلال الكلام). أحياناً كنت أجدني أقوى من الواقع، وأحياناً هشّاً هزيلاً، أين منّي القشّة التي قصمت ظهر البعير؟

تميل قصيدتك إلى التكثيف والهدوء التأمّلي، كيف تنظر إلى علاقتك بقصيدة النثر، وما الذي تمنحك إياه هذه الصيغة تحديداً؟

التكثيف مبدئي قبل أن أقرأ للنفري" كلما اتسعت الفكرة ضاقت العبارة"، لأنّ الحشو من ألدّ أعداء الشعر خاصة، إنّه الهالوك الذي يتطفّل على شعاع الكلام، فيجترّه حتى يغدو خرقة بالية.

كنت أتأمّل الواقع الاجتماعي وتنافر الطبقات، وقد كنت أصبّ جام غضبي على ذلك التقسيم الظالم بين الجائع والمتخم في كتاباتي وفي دروسي، وهذا ما كنت أستطيع تقديمه للمظلومين الذين كنت منهم وإليهم، فما كان لي أن أكون محايداً بليداً في واقع يضجّ بالقبح والظلام.

أمّا قصيدة النثر فقراءتي لها كثيرة، وكتاباتي قليلة، ذلك لأنّي أراها أصعب من القصيدة الوزنية، فهي تحتاج الى إيقاع داخلي يخاطب روح الانسان لا سمعه.

حتى الآن ليس عندي الشاعر النثري المثال، بل ثمّة نصوص ومقاطع ليس إلّا. يبدو أنّ أسماعنا اعتادت على موسيقا الفراهيدي.

انظر إلى خواطر جبران تراها أجمل من معظم نصوصه الموزونة، فالنثر إذا كان معبّأ بالخيال والابتكار والصور الخلاقة قد يتفوق على تفعيلات الخليل التي صار يمتطيها العجزة والقعدة الذين ملؤوا دنيانا بنظم فجّ فيه من الطبل أكثر من الناي.

صدر لك ديوان «لا جناحَ لي» عن منشورات رامينا، ما الدلالة التي يحملها هذا العنوان، وكيف يلخّص المزاج العام للديوان؟

 ثمّة قول مأثور هو "القدرةُ تُذهبُ الحفيظةَ"، أيْ إذا كان الإنسان قويّاً فهو قادر على أن يصبّ جام غضبه، ويردّ الصاع صاعين، فيرتاح، أمّا عدم القدرة فتجعل الإنسان يشعر بالهوان، وتراكم القهر في نفسه، من هنا فالطائر بلا جناح كائن هشّ وضعيف وغير قادر على الطيران، لأنّه قد روِّض، ووضع في قفص، فيشعر بغضب مكبوت لا يستطيع التعبير عنه على أرض الواقع حتى يستسلم أخيراً.

(لا جناح لي) يعني لا قدرة لي على أن أغيّر منكراً بيدي ولا بلساني ولا بقلبي، وهو أضعف الإيمان.

هنا العنوان يدلّ على عدم الرضا عن النفس والواقع معاً، فما معنى أن أكون كائناً هشّاً لا قدرة لي على النقض والرفض والمعارضة، فلا أحد يكترث بإنسان مهمّش سلبه المجتمع أغلى ما لديه، فتحول من كائن طائر إلى كائن زاحف.

الشعر هو السلاح الذي كنت وما زلت أدافع به عن نفسي وعن الحياة الجديرة أن تعاش. ولا معنى لشاعر لا يسعى إلى ريادة الشعر وفضائه الرحب.

في «لا جناح لي» يبرز الإحساس بالحدود والعجز والبحث عن خلاص، هل هو تعبير ذاتي مرتبط بتجربتك الشخصية أم رؤية إنسانية أشمل؟

لا انفصام بين الحالتين، فكلّ قصيدة هي تعبير عن تجربة شخصية لها ارتباط بالعلاقة بين الشاعر والمجتمع الذي يكبّله بألف قيد وقيد في السياسة والحبّ والدين والعادات البالية، من هنا يخرج الشاعر من قوقعته الذاتية والمجتمعية إلى رحاب الإنسانية، وقد سئلت قبل ثلاثين سنة ما هو دوري في الحياة قلت كنت يوماً أفكّر في تغيير العالم، والآن لا أستطيع كشّ ذبابة عنّي، ثمّ كتبت قصيدة بعنوان ذبابة، وكيف أنّ الذباب يجد في حياتنا مرتعاً خصيباً، ولسنا قادرين على أن نجعله يقتنع أنّ الزهرة أجمل من القمامة، والمأساة اليوم أنّ الواقع الذبابي خلّف لنا الذباب الإلكتروني “خير خلف لخير سلف"، حتى كدنا نفقد الأمل بالنحل والعسل

كيف تتعامل مع ثنائية الألم والجمال في نصوصك، وهل ترى أنّ الشعر وسيلة للمقاومة أم للنجاة؟

ذكّرتني بقول طه حسين لأصحابه قبيل رحيله:" أودّعكم بكثير من الألم، وقليل من الأمل".

لك أن تتخيّل هذه القامة الثقافية العظيمة التي ناضلت في سبيل عالم أقلّ قبحاً، ولا أقول أكثر جمالاً، فالجمال لا وجود له إلّا في خيالنا، لأنّ الواقع حاوية من التخلّف والذباب والنفايات بأنواعها السياسية والاجتماعية والدينية.

زكي نجيب محمود المفكّر الكبير أيضاً رأى أنّ التنوير الذي دعا إليه طوال خمسين سنة تراجع، فأين ذهبت جهوده وجهود غيره من المفكّرين الذين حاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من وطن تعيس، وشعب أتعس.

قبل نصف قرن قال أحد شعراء مصر:

أهبطُ في عالميَ الأسفلْ

فأرى رجلاً همجيّاً دونَ مبالاةٍ فوقي يتبوَّلْ

هذي الأرضُ تمومسنا

حتى ثديُ الطفلةِ قبل أوانِ النضجِ تهدَّلْ

 باختصار الشعر هو نوع من التنفّس والتنفيس عن القهر المتراكم في النفس كما تتراكم الذباب على صحن من حلوى مكشوفة.

كلّ شعر المقاومة لم يستطع أن يصدّ عن سوريا كابوساً كريهاً استمرّ أكثر من نصف قرن، وعندما جاء الخلاص فرح الناس فترة، ثمّ صحوا على واقع أليم، تمتدّ جذوره عميقاً في تربة التاريخ الذي يحاول إعادة أمجاد خلبية، فيها رائحة الجثث المتروكة في الهواء الطلق. ألا تشمّ رائحتها مثلي الآن؟

في المحصّلة أكتب الشعر لترميم روحي، والوصول إلى أعلى القمّة، وصخرتي على ظهري كسيزيف الذي يضجّ في روحي، وقد قال السياب:

وعرٌ هو المرقى إلى الجلجلهْ              والصخرُ -يا سيزيفُ- ما أثقلهْ

هل ترى أنّ دواوينك تشكّل مشروعاً شعريّاً واحداً متصلاً، أم أنّ لكل ديوان عالمه الخاص، وتجربته المستقلة؟

 دواويني هي أنا بكلّ تشاؤمي وقلقي والقليل من بصيص الأمل الذي يدنو، ثمّ ينأى وينأى، ولا أفقد الأمل منه، لأنّه قدري من المهد إلى اللحد.

كنت في شبابي أكثر تفاءلاً، فأحياناً كنت أخلع عنّي جلباب اليأس والدفاع اليائس عن النفس، وأرتدي معطف التحدّي والهجوم مثلاً:

رحمُ الأرضِ مكتظّةٌ بالأجنَّةْ

والقصيدةُ أحصنةٌ كفرَتْ بالأعنَّةْ

وفي الوقت نفسه قلت:

يا يومَنا المهجورْ

يا غدَنا المنخورْ

كلاكما حقيقةٌ

وسائرُ الأشياءِ محضُ زورْ

هذه المفارقة ربما يشترك فيها كلّ البشر، وذلك أنّ النفس لا تستقرّ على حالة واحدة، فتراها في العرس صباحاً، وفي المأتم مساء، وهذا لا يتناقض مع الواقع، بل يمثّله تماماً، فما أكثر مفارقات الواقع، وما أشدّ ظلمه وظلامه.

الحكم على مشروعي الشعري يحتاج الى رؤية نقدية من شخص آخر، فلا يمكن لي أن أحكم على نفسي بشكل موضوعي، لكن كلّ ما أعرفه أنّي لست راضياً عنّي شعريّاً، وصوتي ضائع بين أصوات كثيرة، النشاز فيها هو الأقوى، فحتى عالم الشعر أضحى موبوءاً،  لا سيما أنّ الفيس بوك جعل الحمار يغرّد.

 كيف تطوّرت لغتك الشعرية من ديوان إلى آخر، وما أبرز التحولات التي طرأت على أدواتك ورؤيتك للقصيدة؟

من الطبيعي أن تتطور اللغة الشعرية تطوراً عفويّاً بطيئاً، فالقفز من أسلوب إلى آخر أجمل وأرحب يحتاج إلى الزمن كالطفل تماماً حبواً وزحفاً ومشياً وركضاً.

لقد حاولت في نصوصي أن أجدّد في اللغة الخاصة بي من المباشرة إلى الرمز والإيحاء والانزياح قدر الإمكان، فليس أضرّ على الشعر من تكراره ودورانه في فلكه القديم. أمّا رؤيتي الشعرية فمحورها نقد الواقع بما فيه من فقر وحرب وظلم، وذلك إرضاء لروحي التواقة الى الحرّية بكل معانيها، فعالم بلا حرية يختنق فيه الإنسان، وهنا أتذكّر ما قاله يوسف إدريس:" كلّ الحرية في العالم العربي لا تكفي كاتباً واحداً". لذلك الدفاع عن الحرّية هو أسمى أنواع الدفاع، وفي سبيلها تقدّم التضحيات، لأنّها أهمّ من الحياة نفسها، فحياة بلا حرّية قبر متحرّك.

إلى أيّ مدى انعكست التجربة الكردية السورية، بما تحمله من منفى وذاكرة وقلق وجودي، في منجزك الشعري؟

 مدينة عامودا الكردية هي عاصمة القلب، ومسقط رأسي، وملعب طفولتي، ونزوات مراهقتي، وشطحاتي الفكرية والشعرية والتدريسية.

كنّا ناساً "غلابى"، لا حقّ لنا في لغتنا وأغانينا وأعيادنا لأنّنا "أبناء الجنّ" ولم نكن قادرين على أن نقاوم المخرز بعيوننا، ومع ذلك استطعنا في عامودا أن نؤسّس جمعية ثقافية شبه سرّية، نتناول فيها القضايا الإنسانية عامة.

أول قصيدة كتبتها بروح قومية إنسانية هي عن حلبجة سنة 1988 الجنائزية، وهي من أجمل قصائدي وأطولها، وقد نشرت في مجلة "الوحدة" المغربية، وكان عنوان ديواني الثاني "إنّ القرى لم تنتظرْ شهداءها"، وفيها أتنبأ بسقوط الطغاة أعداء الكرد، ومنها هذا المقطع:

ما عندكم يخبو.... وما عندي يشعُّ
وما يشعُّ هو المدى المخضوضرُ المجبولُ من
ألقِ البنفسجِ والرصاصْ
فاذهبْ جفاءً
أيها الزبدُ المهدَّدُ بالقصاصْ
كانتْ تباغتُني مساءً
كلُّ قافلةِ الثكالى واليتامى
كلُّ عشاقِ الخلاصْ

هل تذكر ما قاله محمود درويش في بداياته الشعرية:

الموت للأكراد إن قالوا لنا حقُّ التنفّسِ والحياةْ

للأسف ما زالت النظرة الشوفينية القومية والدينية تكنّ عداء تاريخيّاً للكرد، ولكن في الأخير لا يصحّ إلّا الصحيح، فهذا الشعب كما قال الجواهري:

شعبٌ دعائمُه الجماجمُ والدمُ           تتحطّمُ الدنيا ولا يتحطّم

 إلى جانب الشعر، لك نصوص نثرية ومقالات، هل تراها امتداداً لتجربتك الشعرية أم فضاءً مغايراً للتفكير والتعبير؟

 لا فرق بين نثرياتي وشعرياتي إلّا في الأسلوب، لأنّها جميعاً من مشكاة واحدة غير أنّ النثر مفهوم لكلّ قارئ بينما الشعر قد يصعب على قسم من القراء.

في الحالتين أعبّر عن موقفي من القضايا المهمّة في الحياة، فكلتاهما من منبع واحد علماً أنّ الشعر أصعب من المقالة، إذ أستطيع أن أكتب مقالة، أو أكثر في اليوم، ولكن قد يمرّ دهر وثانيتان ولا أستطيع كتابة بيت واحد، لا تنس ديواني" منذ دهر وثانيتين".

بعد هذا المسار الشعري، علام تعمل حاليّاً؟ وهل هناك ديوان جديد في الأفق يواصل هذا المشروع أو يفتح مساراً مختلفاً؟

أجل مسار شعري طويل، وأشعر أنّي لم أقل شيئاً، وكأنّي بالخيام يعنيني:

القلبُ قد أضناهُ عشقُ الجمالْ          والصدرُ قد ضاقَ بما لا يُقالْ

لديّ مئات القصائد التي لم تنشر ورقيّاً، ولو عدت إليها لرأيت الكثير من الكلام، والقليل من الشعر، فذائقتي صعبة في القبول والرفض، لأنّ القصيدة/ الحلم غير القصيدة على الورق، وكما قال الشاعر:

ما كلُّ مَن لبسَ النجومَ بضابطٍ          إنَّ النجومَ تُباعُ في الأسواقِ

ثمَّة فرق بين نجمة خلبية، ونجمة حقيقية تشعّ في القلب، وتخرج إلى الفضاء توزّع شعاعها على الكائنات.

ما زلت أشعر أنّ هناك ما لم أقله، وأراه الأجمل، وقد صدق ناظم حكمت عندما قال:

 أجمل القصائد ما لم أكتبها بعد.

أخيراً من أحبِّ ما كتبت بيت واحد لا ثاني له، وهو بيت القصيد في تجربتي الشعرية التعيسة:

أمرُّ بي لا أراني            مرورَ أعمى بثانِ

وأصداء سقراط تأتيني من مجاهل التاريخ:" أيها الإنسانُ اعرفْ نفسَك".

فهل عرفتُ نفسي؟





الكاتب

مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).