سبق وأن كتبتُ عن الصديق العزيز، الفنان الناقد الباحث "طلال معلا" في أكثر من مناسبة؛ إذ كتبتُ عنه بِوَصفِه فنانًا بصريًا، فتناولتُ بالنقد والتحليل طرفًا من أعماله التي أنتجها على امتداد مراحل متعددة من مشواره الفني. كذلك فقد كتبتُ عنه كباحث مُدَقِّق في مختلف قضايا الفنون وتَجَلّياتها، وكذا باعتباره ناقدًا بصيرًا ذا منهجية متفردة، وشاعرًا رهيفًا يمتلك صوتًا خاصًا ورؤىً تأمليّة بعيدة الغور، فضلًا عن تلك المناسبات الكثيرة التي جمعتنا معًا في سياقات التعاون التأليفي والنقاشي، والتي نتجت عنها دراسات وفصول منشورة في العديد من المطبوعات والكتب الفنية المتخصصة.
غير أنها المرّة الأولى التي أكتب فيها عن "طلال معلا" بِوَصفِه روائيًا مَكينًا، بعد إذ فاجأني هذا العام بإصدار روايته المُعَنوَنة "ذاكرة النار: أطياف لؤي كيالي"، التي يستلهم فيها سيرة الفنان السوري "لؤي كيالي" (1934 – 1978)، الذي غادر الحياة في ظرفٍ مأساويٍّ تبايَنَت الآراءُ في تعيين أسباب حدوثه.
تنهض رواية "أذاكرة النار" لـ"طلال معلا" على مشروع سردي يختلف عن السرد التقليدي الذي يتخذ من الحوادث مراكز للثقل؛ إذ تنقل الرواية اهتمامها إلى بناء الوعي، واستحضار الذاكرة، ومُساءلة التجربة الفنية بوصفها تجربة وجودية قبل أن تكون تجربة جمالية. ومنذ الصفحات الأولى يتضح أن النص لا يطمح إلى إعادة كتابة سيرة "لؤي كيالي"، بقدر ما يسعى إلى تشييد فضاء تَخييلي تتحاور فيه الشخصية التاريخية مع صورتها المتخَيَّلة، بحيث يغدو الفنان محورًا لتأملات أوسع في الفن والاحتراق الداخلي والذاكرة والموت.
تتحرك الرواية داخل ما يُسمى في السرديات المعاصرة "رواية الفنان" Artist's novel/ Künstlerroman، وهي ضربٌ من السردِ لمراحل تطوُّر الفنان نحو النضج. وقد ظهر هذا النوع الأدبي تاريخيًا في أواخر القرن الثامن عشر خلال فترة الرومانسية الألمانية؛ مع أعمال مثل: رواية "جولات فرانتس شتيرنبالد" Franz Sternbalds Wanderungen، التي نشرها "لودفيج تيك" عام 1798، حول حياة فنان في أواخر العصور الوسطى، وحول رؤاه خلال تطوافه، وهي رواية أثرت بقوة على مسار الرومانسية الألمانية. ثم برز هذا النمط لاحقًا في الآداب العالمية الأخرى بنماذج أكثر شهرة، من أبرزها: "العمل" L'Œuvre (1886) لـ"إميل زولا"، و"صورة الفنان في شبابه" A Portrait of the Artist as a Young Man (1916) لـ"جيمس جويس".
بعض هذه الروايات كانت مبنية – كما هو الحال في رواية "طلال معلا" - على سِيَر فنانين حقيقيين؛ كما في رواية "القمر وستة بنسات" The Moon and Sixpence لـ"سومرست موم" (1919)، وهي مستوحاة من سيرة الفنان الفرنسي "بول جوجان"؛ إذ تحكي قصة محاسب إنجليزي يترك عائلته وحياته المستقرة فجأة ليرحل إلى تاهيتي ويتفرغ كليًا للرسم مدفوعًا بهَوَسٍ إبداعي تدميري.
كذلك كان الحال قي رواية "العذاب والوجد" The Agony and the Ecstasy لـ"إيرفينج ستون" (1961)؛ فهي رواية بيوجرافية ضخمة تتبع حياة عبقري عصر النهضة الإيطالية "مايكل آنجلو"، وترصد صراعاته النفسية والجسدية الهائلة في أثناء نحت تمثال "داود" ورسم سقف "كنيسة سيستينا".
أما رواية "الفتاة ذات القرط اللؤلؤي" Girl with a Pearl Earring لـ"تريسي شيفالييه" (1999)، فهي تستلهم اللوحة الشهيرة للفنان الهولندي "يان فيرمير"، وتدور أحداثها حول خادمة شابة تصبح نموذجًا (موديلًا) ومُلهمة له، كاشفةً عن كواليس مُحتَرَفِه الفني.
وفي السياق العربي كانت رواية "اللون العاشق" لـ"أحمد فضل شبلول" (2018)، تمزج بين الواقع والتخييل السردي، وتتناول سيرة الفنان المصري الرائد "محمود سعيد"؛ إذ تركز على كواليس رسم لوحته الأيقونية الشهيرة "المدينة" (بنات بحري) عام 1935، حيث تتداخل شخوص اللوحة مع حياة الفنان وواقع مدينة الإسكندرية.
كما أتت رواية "بعد 1897 صاحب المدينة"، لـ"وجدي الكومي"، التي صدرت عام 2023 عن دار العين للنشر، والتي نالت قبل ذلك منحة من مؤسسة "المورد الثقافي" عام 2020 تحت عنوان مؤقت هو "اللوحة المائة والثلاثون". ثم استقر الكاتب لاحقاً على الاسم المستوحَى من سنة ميلاد بطلها الفنان "محمود سعيد" (المولود عام 1897)، لترسم سيرة متخيَّلة لروح الإسكندرية وتاريخ الفن المصري الحديث.
وفي المقابل، دارت أفكار كثرة من تلك الروايات حول سِيَر فنانين مُتَخَيَّلين؛ ومن أبرز أمثلة هذا النمط: رواية "العمل الخالد المجهول" Le Chef-d'œuvre inconnu، التي أصدرها الأديب الفرنسي "أونوريه دي بلزاك" لأول مرة عام 1831. وتدور أحداثها حول فنان مُسِنّ يقضي عشر سنوات في محاولة إتمام لوحة سِرّيّة لامرأة أُطلق عليها اسم "كاترين ليسكو"، سعيًا لبلوغ الكمال المطلق وبعث الحياة في الألوان.
وعلى الدرب نفسه سارت رواية "العمل" L'Œuvre لـ"إميل زولا" (1886)؛ لتستوحي شخصية بطلها "كلود لانتير" من شخصيَّتَي "كلود مونيه" و"بول سيزان"؛ ليخوض معركة شرسة ضد الذوق التقليدي السائد، وينتهي به المطاف إلى الجنون بسبب عجزه عن تجسيد رؤيته الفنية على قماش اللوحة.
كذلك أتت "صورة دوريان جراي" The Picture of Dorian Gray لـ"أوسكار وايلد" (1890) لتناقش فلسفة الجمال والاتصال الغامض بين روح الإنسان والعمل الفني المجسّد لصورته الظاهرية.
أما "عين القطة" Cat's Eye لـ"مارجريت أتوود" (1988)، فتروي قصة فنانة تعود إلى مسقط رأسها لإقامة معرض استعادي لأعمالها التشكيليّة، مما يثير في ذاكرتها صدمات الطفولة وعلاقاتها القديمة.
ولم يعدم السياق العربي نماذج من هذا النمط التخييلي؛ من أبرزها: رواية "صراخ في ليل طويل" لـ"جبرا إبراهيم جبرا" (1955)، التي تبحث في عالم بغداد الثقافي من خلال بطلها "فارس الطيبي"، وهو فنان تشكيلي ومثقف يصارع الإحباط والضياع، وتنعكس أزماته الوجودية على الألوان والأشكال التي يخطها على لوحاته.
ولعل "ذاكرة الجسد" لـ"أحلام مستغانمي" (1993) تكون الرواية الأشهر عربيًا في هذا السياق؛ فبطلها "خالد بن طوبال" فنان جزائري فقد ذراعه في الحرب، ويعيش مغتربًا في باريس، حيث تتحول أعماله ومحترَفه الفني إلى مسرح لاستعادة تاريخ الجزائر المعاصر وجروح الذاكرة وعشقه المستحيل.
غير أن رواية "طلال معلا" تُوَسِّع هذا القالب – قالب "رواية الفنان"، بنَمَطَيه: التاريخي والمُتَخَيَّل - عبر إدخال عناصر من الرواية النفسية، فيتراجع منطق الحبكة الخَطيّة لصالح منطق التداعي الحُر، والاسترجاعات، والتأملات الطويلة، بما يجعل الزمن النفسي أكثر حضورًا من الزمن الكرونولوجي. وبهذا يصبح مسار الشخصية محكومًا بإيقاع الذاكرة لا بإيقاع الأحداث.
ومن أبرز نقاط القوة في الرواية قدرتها على بناء تَبئير داخلي كثيف؛ فالقارئ لا يتلقَّى العالم الخارجي بوصفه واقعًا موضوعيًا، بل كما ينعكس داخل وعي الشخصية ذاتها. وتؤدي تقنية المونولوج الداخلي دورًا رئيسًا في الكشف عن الانكسارات النفسية، بينما يتراجع الحوار الخارجي إلى وظيفة مُسانِدة. ويُنتج هذا الخيار السردي نصًا شديد الذاتية، يقترب أحيانًا من الكتابة التأملية أكثر مما يقترب من السرد الحِكائي التقليدي. و"طلال" بذلك يقارب في معالجته تلك أثرًا من النَفَس السردي لرواية "إلى المنارة"To the Lighthouse الصادرة عام 1927، وهي إحدى أبرز بدائع الكاتبة البريطانية "فرجينيا وولف"؛ من حيث الاعتماد على أسلوب "تيار الوعي" وتكثيف التركيز على العالم الداخلي والنفسي للشخصيات بدلاً من الحبكة التقليدية؛ وهو ما يتجلى في رواية "وولف" عبر شخصية الفنانة "لِيلِي بريسكو" وصراعها لإتمام لوحتها، وهو ما يعكس بحث "وولف" نفسها عن الهوية الفنية والتحرر من الأدوار الاجتماعية التقليدية.
وتكشف اللغة عن أثر التجارب الشعرية السالفة لـ"طلال" على صياغاته، بما يُفصِحُ عن مدى وعيه بإمكانات الكتابة الشعرية داخل الرواية. فالجُمل تميل إلى الإيقاع، وتتكرر الصور المرتبطة بالنار، والرماد، والظلال، والليل، والصمت، والضوء، بما يؤسس شبكة رمزية متماسكة تتجاوز وظيفتها الوصفية لتغدو جزءًا من البناء الدلالي للنَص. ولا تُستخدم الاستعارات في مُجمَل الرواية بوصفها زينة بلاغية، بل باعتبارها وسيلة لتجسيد الحالة النفسية للشخصيات.
كذلك فقد ظهر جَلِيًّا أثر تجربة "طلال" البصرية العريضة على هذا النَصّ – باعتباره فنانًا غزير الإنتاج وناقدًا ساطع الحضور في الدوائر الفنية العربية – إذ تبدو العلاقة بين الأدب والفن التشكيلي أهم ما يميز العمل. فالرواية لا تكتفي بالإحالة إلى تجربة "لؤي كيالي"، بل تحاول نقل آليات الرؤية التشكيلية إلى اللغة السردية نفسها؛ إذ يتحول اللون إلى عنصر حِكائي، ويغدو الضوء وسيلة لبناء المشهد، بينما تتوزع التفاصيل البصرية بطريقة تذكّر ببناء اللوحة أكثر مما تذكّر بالبناء الروائي التقليدي. وبهذا تقترب الرواية مما تصفه الدراسات الحديثة بالسرد البصري Visual Narratology، حيث تصبح العين إحدى الأدوات الرئيسة لإنتاج المعنى.
وتنجح الرواية أيضًا في تأسيس ما يمكن تسميته "إكفراسيس" ممتدًا Extended Ekphrasis؛ أي تحويل العمل التشكيلي إلى خطاب سردي. فاللوحة لا تُروى بوصفها موضوعًا خارج النص، وإنما تُستوعَب داخل نسيجِه السردي، لتصبح وسيلة لاستكشاف الذات، والعلاقة بين الإبداع والهشاشة الإنسانية.
أما الشخصيات، فتبدو أقل اهتمامًا بالتمثيل الاجتماعي، وأكثر انشغالًا بوظيفتها الرمزية. فهي تتحرك داخل فضاء نفسي وفكري، ويغلب عليها البُعد التأمُّلي، الأمر الذي يمنح الرواية كثافة فلسفية، برغم ما قد يبدو ظاهريًا من كونه يحُدّ في بعض المواضع من دينامية الحدث ومن تطور الصراع الخارجي.
ومن الناحية الإيقاعية، يختار الكاتب البطء المقصود. فالسرد يتقدم عبر موجات من الاسترجاع والتداعي أكثر مما يتقدم عبر تعاقُب الوقائع، وهو خيار ينسجم مع طبيعة المشروع الفني للرواية، وإن كان قد يفرض على القارئ درجة مرتفعة من التركيز والصبر، وبخاصة إذا كان ينتظر حبكة ذات منحنى تصاعدي واضح.
ولا يخلو النص من ميل إلى الاستطراد الوصفي والتأملات الطويلة، وهي سِمة يمكن النظر إليها بطريقتين: فمن جهة تمنح الرواية عمقًا فكريًا وانسجامًا مع عالمها الداخلي، ومن جهة أخرى قد تؤثر في درجة التكثيف السردي وفي الاقتصاد الحكائي الذي تميل إليه كثرة من الروايات المعاصرة.
وعلى مستوى التأويل، تتجاوز "ذاكرة النار" كونها رواية عن فنانٍ بعينه، لتصبح رواية عن مصير الفنان العربي، وعن العلاقة المعقدة بين الإبداع والعزلة، وبين الحساسية الجمالية والعنف الكامن في العالم. ومن ثم فإن حضور "لؤي كيالي" لا يعمل بوصفه شخصية تاريخية فقط، بل بوصفه استعارة كبرى للفنان الذي يلتهمه فنه بقدر ما يمنحه معنى وجوده.
وفي مُجملها، تقدم الرواية مشروعًا سرديًا طموحًا، يقوم على تداخل الفنون، وعلى تحويل التجربة التشكيلية إلى مادة روائية، مستفيدًا من تقنيات السرد النفسي، واللغة الشعرية، والبنية التأملية. وإذا كانت لا تراهن على الإثارة الحِكائية بقدر ما تراهن على بناء السياق والوعي، فإنها تنجح في تقديم تجربة متميزة داخل مُدَوّنة الرواية العربية التي اتخذت من الفنون البصرية موضوعًا لها، وتؤكد أن العلاقة بين الكلمة والصورة لا تزال قادرة على إنتاج أشكال جديدة من السرد، تتجاوز الحدود التقليدية بين الأجناس الفنية.




0 تعليقات