حوارية في مركز أسوار للفنون مع إسماعيل الرفاعي: الفن والخلاص ومسارات الإبداع
احتضن مركز أسوار للفنون في مدينة الشارقة، يوم الأحد الموافق لـ 19 أبريل، جلسة حوارية ثرية مع الفنان التشكيلي إسماعيل الرفاعي بالتزامن مع معرضه "مراكب"، أدارها الكاتب علي العامري، بحضور لافت من جمهور الفن والأدب، في لقاء اتّسم بكثافة الأسئلة وعمق الطرح.
بدأ الكاتب علي العامري بالحديث قائلاً: "إسماعيل الرفاعي شاعر، روائي، وهو سارد من طراز مختلف في نصوصه الشعرية، وفي رواياته وقصصه، وفي أعماله الفنية أيضاً. يذهب الرفاعي إلى ما وراء الهيئة أو الشكل، حتى وإنْ بدا التشخيص في أعمال له، فهو تشخيص على تخوم التجريد، وهو تجريد على حواف التشخيص كذلك. لذا، يروم الرفاعي الذهاب بالعمل إلى المطموس، لكنه الشعشعانيّ في الدلالة. يفتح الأشكال سعياً للوصول إلى سدرة المعنى. في الكتابة، وخصوصاً في كتابه "عند منعطف النهر"، وفي لوحاته كما في المعرض الحالي في مركز أسوار للفنون "مراكب"، يظهر بطل يأخذ المساحة الأكبر من اللوحة، لكنه يشير إلى أبطال آخرين. وعلى المُشاهد أو القارئ أن يرتحل ليصل إلى الإنسان الذي صار مركباً، وصار نهراً".
واستهلّ العامري الحوار بإشارة فلسفية لافتة، مستحضراً مقولة هيراقليطس: "لا يمكن للمرء أن يستحم في ماء النهر مرتين"، ليؤسس منها مدخلاً لقراءة تجربة الرفاعي بوصفها تجربة تقوم على التحوّل المستمر، قائلاً إن "الزمن متجدّد، والحياة متجدّدة، والرفاعي أيضاً متجدّد، من وجوده الأرضي إلى صياغاته الأكثر شفافية، وصولاً إلى أفق صوفي يتجاوز الشكل المباشر".
بين البصري والسردي: جناحان للتعبير
في معرض حديثه عن العلاقة بين النص البصري والنص السردي، أوضح الرفاعي أن هذا الاشتباك رافقه منذ بداياته الأولى، قائلاً: "هذا السؤال رافقني منذ الخطوات الأولى… كنت أكتب وأرسم في الوقت نفسه، وكان هذا التعالق دائماً حاضراً؛ ألجأ إلى السرد حين تتعسر الحلول البصرية، وأكمل بصرياً حين تضيق اللغة".
وأضاف أنه لم يسعَ يوماً إلى حل هذه الثنائية، بل تعامل معها كمساحة مفتوحة: "لم أحاول أن أجد حلاً، بل كنت أتوكأ على أحد الجناحين كلما احتجت أن أعبّر عمّا بداخلي… وربما كانت الغلبة للرسم، لأنه أكثر خفّةً، بينما الكتابة تحتاج إلى عزلة أعمق".
كما توقّف الحوار عند البنية اللونية لأعمال المعرض، التي بدت مشبعة بدرجات الرماديات، غير أن الفنان دعا إلى النظر أبعد من ذلك: قائلاً: "قد يبدو أن اللون الرمادي يهيمن، لكن إذا تمعّنت جيداً ستجد قوساً من الألوان يتشكّل من تفاعل الماء مع الأكريليك، ومن حضور الأبيض والأسود… هذه الاشتقاقات اللونية تحتاج إلى تأمّل".
وأكد أن العمل الفني لا يُبنى وفق خطة مسبقة، بل يتكشف تدريجياً: "حين أبدأ لا أعرف تماماً إلى أين سأصل… أعرف السياق العام، لكن كل لوحة تجد طريقها الخاص. في لحظة ما، تتكشّف الأشياء أمامك".
"مراكب" كاستعارة مفتوحة
في سياق الحديث عن عنوان المعرض، بدا "المركب" لدى الرفاعي أكثر من مجرّد عنصر بصري، بل حالة تحوّل مستمرة: "حين تبدأ اللوحة، لا تعود مجرد مركب، ولا تبقى ذات دلالة واحدة… يحدث تكثّف في المعنى، كما يحدث تكثّف في داخلك".
وربط العامري هذا الطرح بفكرة الزمن، معتبراً أن هذه المراكب "تسير على ماء الزمن"، وأنها تحمل طبقات من الذاكرة تتقاطع فيها الطفولة مع التجربة، وهو ما يتجلى أيضاً في كتاب الفنان "عند منعطف النهر"، حيث أشار إلى أن "الطفل، حتى حين يُحذف من العنوان، يظل جوهر العمل وروحه".
المرجعيات: من الذاتي إلى الكوني
وحول المرجعيات الفكرية والجمالية، قدّم الرفاعي رؤية تتجاوز التصنيفات المباشرة، قائلاً: "برأيي أن الفن يصبح فناً حين يتحوّل فيه المعطى الشخصي والعابر، إلى معطى كوني وأكثر ديمومة حتى وإن يكون ينطوي على أكثر التفاصيل الشخصية حميمية وخصوصية.. والفنان بالتأكيد هو أيضاً سليل الأمكنة على اتساعها، والأزمنة على امتدادتها.. والمصائر على مآلاتها.. إنّه وريث الحلم والمخيلة التي ما زلت تشكل الأجنحة الأكثر قدرة على المضي عالياً عالياً.. ".
وأضاف أن هذا التحوّل يقترب من الحس الصوفي، لا بوصفه مرجعية جاهزة، بل كحالة إدراك: "ربما يمكن أن نسمّيها حالة وحدة… شعور بأنك جزء من هذا الكل، ومسؤول بطريقة ما عن توسيعه".
الفن مسار للنجاة والتشافي
في واحدة من أكثر لحظات الجلسة تأثيراً، تحدّث إسماعيل الرفاعي بصراحة عن تجربته مع العارض الصحّي، وكيف تحوّلت من عبءٍ شخصي إلى مسار إبداعي موازٍ. قال: "في عام 2025 اكتشفت إصابتي بمرض احتاج إلى إجراءات صعبة… كنت أذهب يومياً إلى المستشفى، وفي الطريق بدأت أرى الأشياء بطريقة مختلفة… الكثبان الرملية، الطريق، التفاصيل التي كنا نمرّ بها دون أن ننتبه إليها".
وأضاف: "قررت أن أرسم ما أراه… تحوّلت رحلة العلاج إلى مشروع فني. كنت أعود إلى المرسم لساعات طويلة… ربما لم يكن جسدي يساعدني دائماً، لكن كان عليّ أن أواصل".
وفي خلاصة مكثّفة للتجربة، قال: "كنت أشعر أن كل لوحة أرسمها تصبح بمثابة تميمة… كانت حرزاً، كانت طاقة حياة كبيرة… وقد استطاعت أن تنقذني. نعم كان الرسم الخلاص الوحيد والأكيد، وكان هو سبيلي إلى النجاة".
بهذا المعنى، بدا الفن لدى الرفاعي أكثر من ممارسة جمالية؛ كان وسيلة لفهم ما يحدث، وطريقة للعبور من لحظة هشاشة إلى لحظة خلق. واختصر ذلك بقوله: "نحن في زمن قاسٍ… وكلما شعرنا بالانكسار، نرسم أكثر ونكتب أكثر… ربما هذا هو الخلاص الوحيد".
الرسم والكتابة: طاقة عبور
أوضح الرفاعي أن هذه التجربة لم تقتصر على الجانب البصري، بل امتدت إلى الكتابة أيضاً، حيث تزامن إنتاجه التشكيلي مع اشتغاله على نصوص سردية وأعمال بصرية، في حالة من التكامل بين الوسائط: "كان هناك نتاج هائل… اشتغلت على اللوحات، وعلى روايتي "نقوش على خشب الصليب" الصادرة عن منشورات رامينا في لندن… كان ذلك بمثابة سبر للعالم الداخلي".
وأشار إلى أن الكتابة، كما الرسم، لم تكن مجرد توثيق، بل تعبير عن حقيقة داخلية مكثّفة: "الرواية لم تكن رواية أحداث بقدر ما كانت جملة متكاملة من الحقيقة الداخلية… والرسم والكتابة شكّلا معاً طاقة كبيرة إلى أن تجاوزت تلك المرحلة".
وفي تعليقه على هذه التجربة، أكّد مدير الجلسة الشاعر علي العامري أن ما طرحه الرفاعي يقدّم مثالاً حقيقياً عن جدوى الفن، ليس فقط على المستوى الجمالي، بل أيضاً على المستوى الإنساني، قائلاً: "هناك كثير من الأسئلة حول جدوى الفن… لكن هذه التجربة تؤكد أن للفن أثراً تراكمياً في الوعي، كما أن له دوراً حقيقياً في التجارب الشفائية".
وأضاف أن الفن، في مثل هذه الحالات، يتحوّل إلى وسيلة للدفاع عن الذات في زمن قاسٍ، حيث تتراجع القيم الإنسانية أمام منطق المادة والعنف.
ماذا قال إسماعيل الرفاعي عن الشارقة؟
تحدّث إسماعيل الرفاعي عن علاقته بمدينة الشارقة بوصفها فضاءً حاضناً لتجربته الإبداعية، مؤكداً شعوره العميق بالامتنان تجاهها، قائلاً: "أنا أشعر أننا نعيش في أهم مدينة في العالم… نحن محظوظون جداً بالعيش في الإمارات، ومحظوظون جداً بالعيش في الشارقة تحديداً".
وأوضح أنه منذ قدومه من سوريا عام 2002، وجد في الشارقة بيئة لم يكن يتخيّل أن تتوفر له في بلده، سواء من حيث الدعم الثقافي أو إمكانيات العمل والإنتاج، مضيفاً: "هذا بلد قدّم لنا كل شيء… أشياء لم نكن نحلم أن نحققها".
كما أشار إلى أن تجربته المهنية مرتبطة بشكل مباشر بالمشهد الثقافي في الشارقة، خاصة عبر عمله في مؤسسة الشارقة للفنون التي وصفها بأنها من أبرز المؤسسات الثقافية في المنطقة، قائلاً: "أنا أعمل في مؤسسة الشارقة للفنون، وهي من أهم المؤسسات في الشرق الأوسط، وربما من أهم المؤسسات عالمياً في تقديم الفنون".
ورأى أن المشروع الثقافي في الشارقة يشكّل ركيزة أساسية للثقافة العربية، مؤكداً: "مشروع الشارقة الثقافي هو صمام أمان للثقافة العربية".
وفي حديثه عن الهوية والانتماء، شدّد على أن انتماءه لسوريا لا يتعارض مع ارتباطه بالشارقة، بل يتكامل معه، قائلاً: "هذا لا يلغي انتماءنا لسوريا… لكننا أيضاً نعيش في بلد منحنا الكثير، ومن الطبيعي أن نكون جزءاً من هذا المشهد ونردّ له ما نستطيع".
سالم الجنيبي: الفن عند الرفاعي فعل تحدٍّ ملهم
في مداخلته خلال الجلسة، قال سالم الجنيبي: "في البداية، وباسم مركز أسوار للفنون، وبشكل عام باسم جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، نوجّه التحية للفنان إسماعيل الرفاعي، ليس فقط على هذا المعرض، بل على التجربة الفنية الكاملة التي قدّمها. ما لفتني في هذه التجربة، وبشكل خاص، هو ما أنجزه الفنان خلال فترة خضوعه للعلاج. عادةً، نجد أن أي شخص يمرّ بظروف صحية صعبة، قد ينشغل بتفاصيل العلاج، بتقارير المستشفى، بما سيؤول إليه وضعه الصحي. لكن الفنان إسماعيل كان يفكّر بطريقة مختلفة تماماً".
وأضاف: "بدلاً من الانشغال بالمرض، اختار أن يوثّق تجربته عبر الفن. الرحلة اليومية التي كان يقوم بها من الشارقة إلى رأس الخيمة لم تكن مجرد رحلة علاج، بل تحوّلت إلى مصدر إلهام بصري. ما كان يراه في الطريق من طبيعة، من تغيّرات في الضوء، من تفاصيل زمنية بين الصباح والمساء، كل ذلك تحوّل إلى مادة فنية. هذا بحد ذاته تحدٍّ كبير. كثير من الفنانين قد يتوقفون عن الإنتاج في مثل هذه الظروف، لكن إسماعيل، على العكس، أعلن الانحياز للحياة وللفن من خلال إنتاج غزير".
وأوضح الجنيبي: "شخصياً، زرت المرسم في الفترة الأخيرة قبل تنظيم هذا المعرض، وكنت مندهشاً من حجم الأعمال التي أُنجزت خلال فترة العلاج، سواء من حيث الكمية أو من حيث العمق. هذه التجربة لا تعبّر فقط عن قوة فنية، بل عن إرادة إنسانية أيضاً. لذلك، نتمنى له دوام العطاء، ونثمّن هذا الإصرار وهذه القدرة على تحويل التجربة الصعبة إلى عمل إبداعي".
في ختام الجلسة، فُتح المجال أمام الحضور لطرح أسئلتهم، ما أضفى على اللقاء طابعاً تفاعلياً، حيث تنوّعت الأسئلة بين التقنيات الفنية، والمرجعيات الفكرية، وتجربة الكتابة إلى جانب الرسم والموسيقا.
واختُتمت الأمسية بتوقيع الرفاعي لكتابه "عند منعطف النهر"، في لقاء مباشر مع القراء، عكس الامتداد الحي لتجربته التي تتنقّل، كما في أعماله، بين النص والصورة، وبين الذاكرة والتحوّل.
نبذة عن مركز أسوار للفنون
يُعدّ مركز أسوار للفنون أول مركز فنون مستقل في إمارة الشارقة، ويقع في المقر (4) ضمن المنطقة الإبداعية، المقر 39، في مجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار.
يمتد المركز على مساحة تقارب 300 متر مربع، ويهدف إلى دعم الفنون المعاصرة وصون التراث الثقافي، من خلال تأسيس منصة حرة تُنصت إلى الفنان وتمنحه فضاءً رحباً للإبداع والحوار والإنتاج المشترك.
يقدّم "أسوار" برنامجاً ثقافياً متكاملاً يشمل المعارض الفنية، والورش المتخصصة، والإقامات الفنية، والحوارات الفكرية، والمبادرات التعليمية، جامعاً الفنانين والطلبة والباحثين من مختلف الخلفيات، ليشكّل حلقة وصل فاعلة ضمن المنظومة الثقافية في الإمارة، ومكمّلاً لجهود المؤسسات الثقافية، ومؤكداً المكانة التي تحظى بها الشارقة منارةً للفن وموطناً للروح المبدعة.
وقد تأسس المركز بمبادرة من سالم الجنيبي والدكتورة نهى فران، انطلاقاً من رؤية ثقافية تؤمن بدور الفن في توسيع أفق المعرفة، وتعميق الصلة بين الإنسان وذاكرته وتاريخه، وترسيخ الحوار الثقافي بوصفه ركيزة أساسية في بناء المشهد الإبداعي المعاصر.
صور من الجلسة بعدسة المصوّر إبراهيم خليل:















0 تعليقات