تكتسب الترجمة معناها الحقيقي عندما تحمل إلى لغة ما أسئلة جديدة، وتشارك في توسيع فضائها المعرفي، وتدفعها إلى استقبال حقول لم تعرف حضوراً واسعاً من قبل. ومن هذا المنطلق تأتي الترجمة الكردية الكرمانجية لكتاب «المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية» للمفكر والناقد السعودي الدكتور سعد البازعي خطوة ثقافية ذات دلالة خاصة، لأنها تضيف إلى المكتبة الكردية عملاً ينتمي إلى حقل الفكر والدراسات الحضارية، ويمنح القارئ فرصة التفاعل مع أسئلة معرفية تمتد عبر التاريخ والثقافة والفلسفة والأدب.
وتتجلى قيمة هذا النوع من الترجمات في خدمة الجامعات والباحثين وطلاب الدراسات العليا، لأن اللغة التي تمتلك مراجعها الفكرية بلغتها الأم تفتح آفاقاً أوسع للبحث والكتابة وإنتاج المعرفة، وتؤسس لتراكم علمي يمتد أثره عبر الأجيال.
وقد أنجز هذه الترجمة المترجمان خالد جميل محمد وشيخموس محمد، وصدر الكتاب عن منشورات رامينا في لندن، بالتعاون مع وكالة كلمات السعودية، وبدعم من هيئة الأدب والنشر والترجمة ضمن مبادرة «ترجم»، في نموذج يعكس إيماناً عميقاً بقيمة انتقال المعرفة بين اللغات، وبالدور الذي تؤدّيه الترجمة في توسيع المجال الثقافي العربي والكردي معاً.
أتوقّف أمام هذا الإصدار من موقعين متكاملين؛ الأول يتعلق بتجربتي روائياً وناقداً، والثاني يرتبط بمسؤوليتي ناشراً يعمل منذ سنوات على بناء مشروع يطمح إلى إثراء المكتبة الكردية والعربية والإنكليزية في آن واحد. ومن هذا المنظور، أجد أن قيمة هذا الكتاب تتجاوز حدود عنوان جديد ينضمّ إلى رفوف المكتبات، لتشارك في مشروع أوسع يضع اللغة الكردية في مواجهة أسئلة الفكر، ويمنحها مساحة جديدة للنمو والتطور.
عرفت حركة الترجمة إلى الكردية خلال السنوات الأخيرة ازدهاراً ملحوظاً في نقل الروايات والمجموعات القصصية والدواوين الشعرية، وهو منجز ثقافي أسهم في توسيع أفق القراءة، وربط القارئ الكردي بتجارب إنسانية وإبداعية متعددة. ورافق هذا الحراك تطور واضح في أدوات الترجمة، وازدياد اهتمام دور النشر والمترجمين بالأدب العالمي والعربي، فتكوّنت مكتبة أدبية غنية تستحق التقدير.
ويأتي هذا الإصدار ليضيف بعداً آخر إلى هذه الحركة، عبر تعزيز حضور الكتاب الفكري والفلسفي والنقدي، لأن اللغات تزدهر عندما تتوازن حقولها المعرفية، وتصبح قادرة على التعبير عن مختلف مجالات المعرفة الإنسانية. فالرواية تمنح اللغة خيالها، والشعر يوسع طاقتها التعبيرية، أما الفكر فيصنع أدواتها المفهومية، ويطوّر قدرتها على التحليل والتفسير، ويمنحها معجماً يتسع للمصطلحات والقضايا والأسئلة الكبرى.
ويأتي اختيار كتاب للدكتور سعد البازعي امتداداً لمشروعه الفكري الذي شغل موقعاً متقدماً في النقد العربي الحديث، وأسهم في فتح نقاشات عميقة حول الأدب المقارن، وصورة الآخر، والعلاقات الثقافية، والحداثة، وهو ما يمنح هذه الترجمة قيمة معرفية تتجاوز موضوع الكتاب نفسه.
فهذا الكتاب يفتح باباً واسعاً أمام قراءة واحدة من القضايا التي تركت أثراً عميقاً في تكوين الحضارة الغربية، متتبّعاً حضور المكوّن اليهودي في الأدب والفلسفة والفنون والثقافة، عبر دراسة تعتمد البحث التاريخي والتحليل النقدي، وتستند إلى معرفة واسعة بالمصادر والسياقات الفكرية. ويجد القارئ نفسه أمام عمل يربط بين الأفكار وتحوّلاتها، ويتابع أثرها في تشكيل الرؤية الغربية إلى الإنسان والعالم، فيكتسب أدوات أوسع لفهم التاريخ الثقافي، والعلاقات المتشابكة التي أسهمت في صناعة الحضارة الحديثة.
وأرى أن اللغة الكردية قطعت خلال العقود الماضية شوطاً مهماً في بناء منجزها الأدبي، واليوم تتقدّم بخطى واثقة نحو ترسيخ حضورها في مجالات الفكر والفلسفة والنقد والعلوم الإنسانية. وهذه المرحلة تحتاج إلى مشاريع ترجمة متواصلة، تحمل إلى القارئ الكردي كتباً مرجعية في مختلف الاختصاصات، وتفتح أمام الباحثين والطلاب والكتّاب أبواباً جديدة للقراءة والتأمل وإنتاج المعرفة.
وتحمل هذه الترجمة قيمة إضافية لأنها تقدم إلى القارئ الكردي أحد أبرز الأصوات الفكرية والنقدية في العالم العربي. فقد أسهم الدكتور سعد البازعي، عبر مشروعه النقدي، في إغناء الحوار حول الأدب المقارن، وصورة الآخر، والعلاقات الثقافية، وقضايا الهوية والحداثة، وترك أثراً واضحاً في النقد العربي المعاصر. وانتقال أحد أهم كتبه إلى الكردية يوسع دائرة هذا الحوار، ويمنح القارئ الكردي فرصة التفاعل مع تجربة فكرية عربية رصينة بلغته الأم.
ولعل أجمل ما تصنعه الترجمة أنها تمنح الأفكار حياة جديدة. فالمستقبل الثقافي لأي لغة يتشكل بقدر ما تستقبل من معرفة، وبقدر ما تنتج من معرفة أيضاً. وكل كتاب فكري يعبر إلى الكردية يضيف لبنة جديدة إلى هذا البناء، ويفتح نافذة جديدة أمام أجيال ستقرأ العالم بلغتها، وتشارك في إنتاجه بلغتها كذلك.
ومن هنا أنظر إلى ترجمة «المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية» على أنها خطوة في مشروع أكبر، مشروع يطمح إلى توسيع أفق المكتبة الكردية، وترسيخ حضور اللغة الكردية في فضاء الفكر الإنساني، وتعزيز مكانتها لغةً للبحث، والتحليل، والنقد، والإبداع. وكل خطوة من هذا النوع تفتح باباً جديداً أمام المعرفة، وتمنح القارئ الكردي فرصة أوسع للمشاركة في الحوار الثقافي العالمي، بلغته، ومن موقعه، وبالثقة التي تستحقها لغة تمتلك تاريخاً عريقاً، وحاضراً متجدداً، ومستقبلاً رحباً.




0 تعليقات