تتكرر في الآونة الأخيرة اتهامات تصف الكرد في سوريا بأنهم “لاجئون” أو “دخلاء” على هذه الأرض، وكأن التاريخ يمكن اختزاله في شعارات أو أحكام انتقائية. وإذا كان معيار الانتماء هو “الأصل التاريخي”، فمن الواجب أن يُطبَّق هذا المعيار على الجميع، لا على الكرد وحدهم.

ولنفترض، على سبيل الجدل، أن كل شعب مطالب بالعودة إلى موطنه الأول. عندها ينبغي أن يشمل هذا الافتراض الجميع دون استثناء، لأن العدالة لا تعرف الكيل بمكيالين.

فمن المعروف أن قسمًا كبيرًا من العشائر العربية الموجودة في الجزيرة السورية استقر فيها نتيجة هجرات تاريخية متعاقبة من شبه الجزيرة العربية، ولا سيما من نجد ومناطق أخرى، ثم أصبح مع مرور الزمن جزءًا من النسيج الاجتماعي للمنطقة. وهذه حقيقة تاريخية لا تنتقص من أحد، كما أنها لا تمنح أحدًا حق نفي وجود الآخرين.

أما أنا، فإذا طُلب مني – افتراضًا – أن أعود إلى موطني الأصلي، فلن أحتاج إلا إلى نصف ساعة سيرًا على الأقدام لأصل إلى قريتي التي أراها من نافذة منزلي في عامودا، والتي تقع اليوم على الجانب الآخر من الحدود التركية. ولولا الحدود السياسية التي قُسمت بها المنطقة، لما كنت قد غادرت أرضي أصلًا، لأن قريتي وامتدادها الجغرافي ما زالا أمامي.

ولا تقتصر هذه الحقيقة على قريتي وحدها، بل تمتد على طول الشريط الحدودي السوري–التركي، حيث يرى آلاف الكرد قراهم ومدنهم التاريخية بأعينهم كل يوم من نوافذ منازلهم. إن الذي فصل بين هذه المدن والقرى لم يكن البحر ولا الجبال ولا اختلاف الجغرافيا، وإنما حدود سياسية حديثة قسمت الأرض الواحدة والعائلة الواحدة.

ويحضرني هنا ما كان يرويه جدي عن تلك الأيام؛ ففي زمن لم تكن فيه الهواتف ولا وسائل الاتصال الحديثة، كان يقف على سطح منزله ويحمل مرآة صغيرة، يعكس بها أشعة الشمس نحو أقاربه وإخوته في الجهة الأخرى من الحدود، فيدركون أنه يحييهم وأنه بخير، فيردون عليه بالطريقة نفسها. كانت ومضات الضوء آنذاك لغةً للمحبة، ورسائل سلام بين أهلٍ لم تفرقهم الأرض، وإنما فرقتهم خطوط رسمتها السياسة.

أما من تعود أصول أسلافه إلى مناطق بعيدة في شبه الجزيرة العربية، فإن العودة إلى ذلك الموطن المفترض تستلزم قطع مئات أو آلاف الكيلومترات. وهنا يبرز سؤال مشروع: إذا كان معيار الانتماء هو القرب من الجذور التاريخية والجغرافية، فمن الأقرب إلى أن يُعد ابنًا لهذه المنطقة؟ أهو من لا يفصله عن قريته سوى نصف ساعة سيرًا على الأقدام، أم من يحتاج إلى رحلة طويلة تعبر الصحارى والحدود حتى يبلغ موطن أسلافه؟

ومع ذلك، فإنني لا أتبنى هذا المنطق، لأن الانتماء لا يُقاس فقط بالأصول البعيدة أو بالهجرات القديمة، وإنما بالمواطنة والعيش المشترك. فسوريا كانت، عبر تاريخها، موطنًا لشعوب ومكونات متعددة، ولا يملك أحد حق احتكار صفة “ابن الأرض” أو نزعها عن غيره.

لقد جمعنا هذا الوطن، والأجدر بنا أن نبنيه معًا على أساس المساواة والاحترام المتبادل، لا على أساس التخوين والإقصاء.

مع كامل الاحترام والتقدير لإخوتنا العرب، فإن هذا المقال ليس انتقاصًا من أحد، وإنما دعوة إلى الكف عن التشكيك في انتماء أي شعب إلى أرض عاش عليها عبر التاريخ. فإذا أردنا أن يكون معيار الانتماء واحدًا، فليكن واحدًا على الجميع، وإن أردنا أن يكون الوطن جامعًا، فليكن جامعًا للجميع.

الكاتب

مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية