أعلنت منشورات رامينا في لندن صدور رواية «أبناء مَنْجَخ» للكاتب التشادي حمزة باشر، في إصدار يقدّم تجربة روائية تستلهم الحياة في العاصمة التشادية أنجمينا، وتغوص في عالم الأحياء الشعبية، وتحولات المجتمع، والعلاقات التي تتشكّل خارج سلطة القبيلة، وسط بيئة تفرض قوانينها الخاصة.
تدور أحداث الرواية في أحياء أنجمينا القديمة، داخل حيّ «منجخ» الذي يتحوّل مع الزمن إلى ملاذ للهامشيين، والسكارى، واللقطاء، والمطارَدين، وتجار المخدرات، وقطاع الطرق، وكلّ الذين انقطعت صلتهم بماضيهم. ومن خلال هذا الفضاء المتشابك، يرسم الكاتب صورة لمجتمع تعيد المصالح تشكيل موازين القوة فيه، وتفرض الجماعات نفوذها على حساب البنى التقليدية، في رواية تجعل المكان بطلاً موازياً للشخصيات، وتمنح الحي ذاكرةً وصوتاً وقوانين خاصة تتحكم في حياة سكانه.
وتصدر الرواية ضمن سلسلة الأدب الأفريقي التي تطلقها منشورات رامينا، ويشرف عليها الروائي التشادي طاهر النور، بهدف التعريف بالأصوات الأدبية الأفريقية، وإتاحة مساحة أوسع للرواية القادمة من القارة، بما تحمله من تجارب إنسانية وثقافية ثرية لا تزال بعيدة عن القارئ العربي.
ولا تكتفي الرواية برصد الحياة في أحد أحياء أنجمينا، إنّما تبني عالماً تتداخل فيه الذاكرة الشعبية مع الصراع على النفوذ، وتتشابك فيه الحكايات الفردية مع التاريخ الشفهي للمكان. وتتعاقب الأجيال داخل السرد، بينما تتنازع الشخصيات مفاهيم السلطة والشرعية والانتماء، في نص يطرح أسئلة عن العدالة، والحرية، وتقاسم الثروة، والحق في صناعة المستقبل.
وتتميّز الرواية بحضور نسائي لافت، إذ تتقدّم المرأة إلى قلب السرد، وتقود حركة الأحداث، وتؤثر في مصائر الشخصيات، عبر شخصيات تمتلك المبادرة والقدرة على التأثير وصناعة التحالفات، في معالجة تمنح المرأة دوراً محورياً في تشكيل التحولات الاجتماعية داخل الحي، بعيداً عن الأدوار التقليدية.
كما تستعيد الرواية أجواء ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، عبر تفاصيل الحياة اليومية في شوارع أنجمينا وأسواقها وأحيائها، مقدّمة سرداً غنياً باللهجة المحلية والذاكرة الشعبية، ومزجاً بين الواقعي والرمزي، حتى يغدو «منجخ» صورةً مكثفة لتحولات المجتمع التشادي، وصراعاته، وآمال سكانه في غد أكثر عدالة. ويختتم العمل بنداء جماعي إلى أبناء الحي من أجل الدفاع عن حقوقهم وصناعة مستقبلهم، في نهاية تمنح الرواية بعداً إنسانياً يتجاوز حدود المكان.
ويواصل حمزة باشر، عبر هذه الرواية، مشروعه الأدبي الذي يستند إلى المكان والذاكرة والإنسان، جامعاً بين الحسّ الشعري والخبرة السردية، في عمل يضيف صوتاً جديداً إلى الرواية العربية القادمة من أفريقيا، ويعرّف القارئ ببيئة ثقافية واجتماعية قلّما حضرت بهذا الاتساع في الأدب العربي.
وتقع رواية «أبناء مَنْجَخ» في 149 صفحة، وتزيّن غلافها لوحة للفنانة التشادية كوثر محمد.
يُذكر أن حمزة باشر شاعر وروائي، ولد في أنجمينا 1993، نال بكالوريوس، في التربية وعلم النفس، وماجستير في التاريخ المعاصر، اشتغل معلّماً ومحاضراً بمعهد كافاس، كما عمل مراسلاً لصحيفة الشاهد، أصدر العديد من النصوص الشعريّة: "لحن يسافر في الريح" 2019، و"ترانيم الكادح في سماء أنجمينا" 2022، وأخيراً "كفراغ واضح" 2024، وله العديد من الأعمال النثرية غير المنشورة.




0 تعليقات