من ضفافِ الفراتِ وأشجارِه وجسرِه المعلّقِ في دير الزور إلى أزقّةِ دمشقَ وحاراتِها القديمةِ وسحرِها يصحبُنا الروائيُّ الفنّانُ إسماعيل الرفاعي في رحلةٍ ثقافيّةٍ أدبيّةٍ فنيّةٍ غنيّةٍ بكلِّ ما يشبعُ العقلَ ويثري الفكرَ ويدغدغُ الحواسَّ...

بدأ الأستاذ الرفاعي روايتَه برسمِ صورةٍ بديعةٍ لنهرِ الفراتِ، فهو فنّانٌ رسّامٌ لكنّه رسمَ لوحتَه هذه المرّةَ بكلماتٍ رقيقةٍ أعادتْ لي تلكَ الصورةِ التي ما زالتْ ذاكرتي تحملُها والتي تشكّلتْ في المرّاتِ القليلةِ التي رأيتُ فيها الفراتَ في زياراتي القصيرةِ التي لم تكن تتجاوزُ بضعَ ساعاتٍ في كلِّ مرّةٍ... يقولُ في وصفِه:

"كانَ الفراتُ مثلَ خيطٍ من الفضّةِ يلهجُ بين الضفتينِ... تموجُ على صفحتِه ظلالُ الأشجارِ التي كان يتشرّبُ ألوانَها الألفَ وهو يمضي سادراً بنداوتِه التي كانتْ تفيضُ على المدينةِ منذُ أوّلِ قطرةٍ هَمَتْ على الأرضِ"... يتابعُ فيقولُ: "كانَ ينظرُ إلى شجرِ الزيزفونِ وهو ينحني تحتَ ثقلِ الريحِ، وأضواءٌ بعيدةٌ تومضُ في المدى كشموعٍ باهتةٍ، وقد أغمضَ الليلُ أهدابَه على الضفّةِ الأخرى، وبدا الجسرُ المعلّقُ وكأنّه سفينةٌ أسطوريّةٌ مضاءةٌ بآلافِ الشموسِ تربطُ الضفتينِ بمعبرٍ مرّتْ فوقه أرواحُ الفراتيّين جميعِهم، وارتجّتْ حبائلُه المشدودةُ كعصبِ المدينةِ تحتَ آلافِ الخطواتِ التي حملتْ نبضَ ساكنيها وأحلامَهم، ومثلما كانَ الفراتُ رئةَ المدينةِ كانَ الجسرُ المعلّقُ شريانَها المشدودَ"...

لكنّ هذه الصورةَ الجميلةِ التي تُظهِرُ دير الزور مدينةً وادعةً تغفو على شاطئ الفراتِ الخالدِ سرعانَ ما تلاشتْ لتحلّ محلّها صورةُ المدينةِ التي تعاني غضبَ الطبيعةِ فتئنُّ تحتَ وطأةِ (العجاجِ)، فيصفُ تلكَ الصورةَ قائلاً: "لم تتركِ العاصفةُ رئةً للمدينةِ تتنفسُ عبرَها، وظلّتْ تعيثُ بها خراباً طيلةَ النهارِ، وقد قبضتْ في صولتِها أرواحَ العديدِ من المسنّين والمصابين بأمراضِ الهواءِ المزمنةِ، ولم تهدأ فورتُها إلّا بعد أنْ بعثرتْ أرزاقَ العبادِ واقتلعَتْ أوتادَ الجهاتِ كلِّها وأفرغَتْ آخرَ ذرّةِ غبارٍ من جوفِها الرجيمِ، وزئيرُ العاصفةِ الذي مزّقَ أوصالَ الهواءِ على امتدادِ الفراتِ لم يهدأ تحتَ نابِ السكينةِ الخادعةِ إلّا بعدَ أنْ اطمأنَّ إلى ما تركَه من ندوبٍ على أعتابِها"...

انتهتِ العاصفةُ لكنّ المأساةَ استمرّتْ، فقد أعدّ جوفُ الأرضِ لهذه المدينةِ وأهلِها كارثةً أخرى، "فما أن انقشعتِ العاصفةُ وأوشكَ الناسُ على استعادةِ أنفاسِهم والتقاطِ خراطيمِ الماءِ كي يغسلوا الغبارَ عن وجهِ البلدِ حتّى هالهم ما وقعتْ أبصارهم عليه"... ويتابع: "تلكَ الجوائحُ الرمليّةُ لازمةٌ لمدنِ الفراتِ، تهبُّ بينَ حينٍ وحين، أمّا أن تنقشعَ عن آلافٍ مؤلّفةٍ من الخنافسِ السوداءِ التي لم تتركْ مساحةً شاغرةً لم تشغلْها، ونافذةً لم تسدلْ عليها ستائرَ عتمتِها، وحارةً لم تُغَطِّ كاملَ فروعِها من طينٍ وإسفلتٍ فذلكَ ما لم تسمعْه آذانُهم أو تراه عيونُهم"..

يا للمدينةِ المنكوبةِ ويا لأهلِها المساكين!.. يقولُ: "ولا تدري مدنُ الفراتِ ما الذي اقترفَتْه حتّى تحيقَ بها لعنةُ السماءِ والأرضِ... كأنّها مدينةٌ في مهبِّ الريحِ، فكلّما هبّتْ عاصفةٌ في أرضِ اللهِ الواسعةِ ألقتْ بأحمالِها على المدينةِ، وكلّما فاضتْ ثروةٌ من جوفِها جلبَتْ وبالاً عليها، حتّى إنّها لم تنلْ من بحرِ النفطِ الذي كانتْ تعومُ عليه سوى ألسنةِ الدخانِ وسحائبِ الغازاتِ السامّةِ التي كانتْ تملأ صدورَ أهلِها"...

لكنّ سحائبَ الدخانِ والغازاتِ السامّةِ لوّثتِ الصدورَ ولم تستطعْ أن تلوّثَ القلوبَ التي تنبضُ بداخلها، إذ يقولُ: "ورغمَ ذلكَ لم تكنْ تلمحُ في عيونِ الفراتيّين سوى زلالِ الفراتِ الذي يلتمعُ في عيونِهم، ورغمَ قسوتِهمُ الباديةِ لم تكنْ تنبضُ في صدورِهم سوى القلوبِ الطيّبة"...

وبعدُ، أهناكَ شيءٌ بعد؟.. "ليسَ هذا فحسب، بل إنّ عروقَ الفراتِ أيضاً كانتْ قد جفّفتْها السدودُ التي شيّدتْ على امتدادِها، وصارَ الماءُ ينسكبُ ثقيلاً وملوّثاً من صنابيرِ المياهِ في البيوتِ"...

لم يكنْ حالُ إبراهيمَ، بطلِ الروايةِ، في ذلكَ اليومِ بأحسنَ من حالِ مدينتِهِ التي كانتْ تئنّ تحتَ وطأةِ (العجاجِ)، إذ "حاولَ النهوضَ من فراشِه، ولم يمنعْه الغبارُ الذي تسرّبَ إلى الغرفةِ وتسلّلَ عبرَ الأغطيةِ من ذلك، بل إنّ وهناً شديداً قد حلّ في بدنِه، وشعرَ أنّ ما يجري على المدينةِ في هذه اللحظةِ قد جرى عليهِ من قبل حينَ كانَ غارقاً في عزّ نومه، وبأنّ هذه الجائحةَ قد غزتْ جسدَه وروحَه قبل أن تغزو المدينةَ"...

إبراهيمُ هذا رسّامٌ يرسمُ أحاسيسَه ومشاعرَه، يرسمُ آلامَه وأحزانَه... "لقد أمضى السنواتِ الأخيرةَ وهو يرسمُ كائناتٍ أسطوريّةً تسبحُ في فضاءِ اللوحةِ وتتصاعدُ إلى الأعلى... كائناتٌ غارقةٌ في صمتٍ خالصٍ تتوضّعُ على شكلِ ثنائيّاتٍ متقابلةٍ تتأمّلُ بعضَها البعضَ وهي مسكونةٌ في عزلتِها الخالصةِ... كائناتٌ تعيشُ اغترابَها وآلامَها دونَ أن تنجحَ لحظةً واحدةً في اجتيازِ المليمتراتِ القليلةِ التي كانتْ تفصلُها عن قرائنِها الأخرى"...

كانتِ الليلةُ التي سبقتْ تلكَ العاصفةَ التي غزتِ المدينةَ وتلكَ الحمّى التي غزتْ جسدَه ليلةً فاصلةً في حياتِه وفنِّه... في تلكَ الليلةِ "سرعانَ ما وجدَ نفسَه في أرضٍ أخرى، وعلى مشارفِ غبشٍ مجيدٍ يسرّبُ ضوءاً من فجرٍ وشيكٍ... رأى نفسَه جاثياً قربَ خشبِ الصليبِ، يتّكئُ على صدرِه السيّدُ المسيحُ، وهو يمدُّ يدَه المثقوبةَ بمسمارِ الصلبِ محاولاً أن يدسَّ في يدِ الرسّامِ المرتعشةِ خرقةَ الدمِ المنقوشةِ بملامحِ وجههِ المعذّبِ، فيما كانتْ أمّه العذراءُ ومريمُ المجدليّةُ تقفانِ خلفهما دون حراكٍ... فقط أثرُ الدموعِ على الوجناتِ الشاحبةِ، وأصابعُ متشابكةٌ أعلى الصدرِ، وأكفٌّ مضمومةٌ على الفجيعة"...

تتابعتْ رؤاهُ وهو على فراشِ المرضِ و"أمُّه مشطورةٌ بينَ السهرِ عليهِ وبينَ مكافحةِ سيلِ الخنافسِ الذي لا يتوقّفُ"، فقد كان "ولدها غائباً في ملكوتٍ آخرَ تتقاذفُه الكوابيسُ والرؤى، من دركٍ إلى دركٍ ومن صليبٍ إلى صليبٍ"... ثمّ "رأى الكائناتِ وقد انحسرتْ عنها ظلالُ الغابةِ الكونيّةِ وهي تخطو في المسارِ ذاتِه الذي يسعى نحو الملكوتِ، وكانَ الفراتُ يسعى بمائه وسمائه تحت غيمةِ الزيزفونِ، وكانتِ الأرواحُ تنزحُ عن أشكالِها، والأشكالُ عن مسمّياتِها، والمسمّياتُ عن دلالاتِها"... وفي النهايةِ "كانتِ الجمهرةُ تنسابُ مثلَ جسدٍ واحدٍ، وهو يتقدّمُ الخلائقَ وكأنّه يطفو قربَ نفسِه... هكذا بلا ألمٍ يكدُّ الروحَ أو وجعٍ يخزُ القلبَ... فقط يتناسمُ مثلَ كائنٍ أثيريٍّ ويتلاشى رويداً رويداً في مساحةِ ذلكَ الضوءِ الغامرِ"...

أمّا أصدقاءُ إبراهيمَ فقد كانوا مثلَه إحساساً وإبداعاً، "وإذا كانَ مرسمُ إبراهيمَ قد شهدَ ولادةَ المسيحِ الملوّحِ بشمسِ الفراتِ فقد شهدَتْ غرفةُ كاسر ولادةَ الروايةِ التي طالما أعلنَ عن نيّتِه في كتابتِها، والتي لم يستطعْ طيلةَ تلكَ الفترةِ أن ينهي بضعَ صفحاتٍ منها"... إنّها روايةُ ماري...

روايةُ ماري ولوحةُ يسوع... أيّ مصادفةٍ هذه!.. هكذا "فكّرَ إبراهيمُ بذلكَ الاقترانِ العجيبِ بينَ اسمي ماري ويسوع"... بل ذهبَ فكرُه أبعدَ من ذلكَ فربطَ بينَ قطراتِ الشاي التي كان يسكبُها على الصينيّة والتي تجمعّتْ حينَ أمالَها إلى أسفل، فقال: "هل تعلمُ يا صديقي بأنّ اللهَ يجمعُ الأرواحَ بهذه الطريقةِ، وأنّ الأمر لا يتطلّبُ أكثرَ من أن يحرّكَ كفّه القديرةَ حتّى تتجمعَ أرواحُنا... أنا وأنت، ماري ويسوع، وسائرُ الكائناتِ كلِّها في قدرِ الآخرة؟"

ملاحظةٌ بسيطةٌ قادتني إلى وصفِ إبراهيمَ بالمبدعِ وأنا ما زلتُ في الربعِ الأوّلِ من الروايةِ، متمثّلةً قولَ كريستيان نوسلين-فولهارد، الحاصلةِ على جائزة نوبل في الطبّ: "الإبداعُ هو الجمعُ بين حقائقَ لم يربطْها أحدٌ ببعضِها من قبل"... أكملتُ الروايةَ بشوقٍ لمعرفةِ المزيدِ عن إبراهيمَ المبدعِ الفنّانِ فاكتشفتُ ما أسعدني وأشبعَ رغبتي في قراءةِ روايةٍ مختلفةٍ، روايةٍ فكريّةٍ إن صحّ أن أصفَها بذلك...

إذن فقد نالَ إبراهيمُ حظّاً كبيراً من نعمةِ الإبداعِ، وهذا يعني أنّ بعضَ ما ينتجُه هو إلهامٌ محضٌ يتنزّلُ عليهِ في لحظةٍ "تنتظرُ أن يغيبَ الرسّامُ تماماً حتّى تعلنَ عن نفسِها على هذه الصورةِ، مكتفيةً بنفسِها وعصيّةً على أيّ لمسةٍ مضافةٍ أو تعديلٍ طفيفٍ"... وهكذا "فقد جاءتِ اللوحةُ على النحوِ الذي تريدُ دونَ أن يستطيعَ كبحَ جماحها، أو يتدخّلَ في تخلّقها الأوليّ أو صورتِها النهائيّةِ"...

رغمَ كلّ ذلكَ الإبداعِ والإلهام والموهبةِ لم ينجُ إبراهيمُ من عسرةِ الرسمِ، وهي كعسرةِ الكتابةِ وعسرةِ القراءةِ التي تصيب المبدعين بين حينٍ وآخرَ فينقطعون عن إنتاجهم الإبداعيّ... يقول الكاتبُ: "وكم مرّةٍ هزمتْه تلكَ المساحةُ البيضاءُ، أو سمّرَتْه أمامها لأيّامٍ وأسابيعَ دون أن يستطيعَ فكّ مغاليقِها، أو ينجحَ بوضعِ لمسةٍ واحدةٍ يرتجفُ لها قلبُه أو تسكنُ إليها عينُه!.. وكم مرّةٍ أقلقَتْ نومَه وغزَتْ أحلامَه وأجبرَتْه على النهوضِ ما إن يسمعُ همسَها المدوّي، فيهرعُ كالمسحورِ بلا حولٍ ولا قوّةٍ، لعلّه يستطيعُ إغواءَها بلمسةٍ تركنُ إليها روحَه المتشظّية"...

هنا تبرزُ أهمّيةُ الصداقةِ ونصائحِ الأصدقاءِ الصدوقين، فها هو يذكرُ يوسفَ، صديقه الشاعرَ، إذ قال له قبل سنواتٍ: "يا إبراهيمُ أنتَ ترسمُ بأصابعِ روحكَ، رغمَ أنّها لا تزالُ هائمةً بعيداً عنك... أعلمُ أنّكَ بالكادِ تبقي رأسَكَ على كتفيكَ، لكن عليكَ أن تبقي روحَكَ إلى جوارِك... عليكَ أن تصغي جيّداً إلى الأصواتِ التي تهمسُ بداخلِكَ... السرُّ في الإصغاءِ يا صديقي"...

أمّا دمشقُ فكانَ له فيها شأنٌ آخرُ، قصدها للدراسةِ لكّنها منحتْه أكثرَ من الشهادةِ الجامعيّةِ وأخذتْ منه أكثرَ من السنين التي عاشَها فيها... يصفُ الكاتبُ علاقتَه بدمشقَ قائلاً: "لعلّ دمشقَ ما تزالُ جاثمةً مثلَ حجرِ المرساةِ في قاعِ روحِه السحيقِ، لا يستطيعُ أن يقتلعَها دونَ أن يقتلعَ قلبَه، ولا يستطيعُ لأن يُبقي عليها دونَ أن تطبقَ عليه أبوابُها السبعةُ... فدمشقُ التي تعذّرَتْ على خطاه هي غيرُ التي قصدَها في مقتبلِ الحلمِ وغادرَها في انكسارِه... كانَ يتجوّلُ فيها مثلَ غريبٍ يتلمّسُ الألفة في حواريها العتيقةِ، وصارَ يتجوّلُ فيها مثلَ شبحٍ ابتلعَ الخواءُ الغامرُ شكلَه وظلَّه"...

في دمشقَ عرفَ (ليال)... ليالُ التي "كانتِ الدموعُ سبيلُها إلى قلبِه" أحبّها وكتبَ لها الشعرَ، "فالشعرُ أيضاً تدفّقَ بمثلِ تلكَ الغزارةِ، وكأنّ تلكَ النداوةَ قد تسرّبَتْ إلى لغتِه، فصارَ يدانيها بالشعرِ ويجافيها بالشعرِ حتّى حوّلَها المجازُ إلى حلمٍ، فأضحى ذلكَ الحلمُ قصيدةً لا يستطيعُ الفكاكَ منها... ولطالما تساءلَ على مرّ السنين إن كانتْ هي من استطاعتْ بحضورِها أن تتملّكَه في ذلكَ الوقتِ وتطلقَ الشعرَ من إسارِه، أم أنّ تلكَ الدموعَ التي ذرفَتْها بحرقةٍ ذات مساءٍ بعيدِ هي من فعلَتْ ذلك؟"

لكنّ الحبّ لم يدمْ، فما كان من إبراهيم إلّا "حزمَ حقائبَه في ذلكَ الأربعاءِ المشؤومِ وعادَ أدراجَه صوبَ مدينتِه التي تضمرُ في طينِها الفراتيّ أرضَ الناصرة"...

إذن دعونا نرجع مع إبراهيم إلى دير الزور، مدينتِه "هذه المدينة الكابية على النهرِ"... دعونا ندخل معه مرسمَه وهو يضعُ اللمساتِ الأخيرةَ على جداريّةٍ أخرى من جداريّاتِ المسيحِ حيث "لم يعد ثمّة عناءٌ في اقتفاءِ أثرِ الخطوطِ أو التباسٌ في صياغةِ الأشكالِ التي كانَ يرسمُها... لقد اطمأنّ تماماً لتدعياتِ فرشاتِه بعد أن منحَ نفسَه كليّاً لتدوينِ تلكَ السيرةِ، وإن لم يكن موقناً بأنّ ثمّةَ صلةٌ تربطُه بها أو بالسيّدِ المسيحِ، أو بأنّها محضُ استعارةً ليس إلّا.. لروحٍ تائقةٍ للخلاصِ، وقلبٍ أغلقَ على نفسِه الأبوابَ"...

أنا أيضاً سأضعُ لمساتي الأخيرة على قراءتي لهذه الروايةِ الباذخةِ الجمالِ، هذه الروايةِ التي تتأرجحُ بينَ الواقعِ والحلمِ والخيالِ والذكرياتِ كما كان بطلُها إبراهيم "في لحظةٍ نائسةٍ بين اليقظةِ والحلمِ"، فلا تتركُ بينها فاصلاً ولا تضعُ بينها حاجزاً... "هنا المواقيتُ كلُّها متداخلةٌ، والأزمنةُ كلّها متقاطعةٌ في نقطةٍ واحدةٍ... يقفزُ من لحظةٍ إلى أخرى دونَ أن يعيقَه أيٌّ من الحدودِ التي يعرفُها... كانَ زمناً لا خطيّاً يقلّبُه كما يشاءُ ويمضي به كما يشاءُ وفي الجهةِ التي يشاءُ"...

ثمّ إنّها روايةٌ تتأرجحُ بينَ الفنِّ والأدبِ والفلسفةِ لذلكَ لم أعرفْ إن كانَ عليَّ أن أصفَها بأنَها فنٌّ أدبيٌّ أم أدبٌ فنيٌّ... يتحدّثُ أشخاصُها عن الفنِّ كالأدباءِ أو كالفلاسفةِ، فها هو بطلُها إبراهيم يقول: "ألا تريانِ معي أنَّ نماذجَ الفنّانين تكادُ تنحصرُ بين بيكاسو وفان كوخ... أي بين النموذجِ الغازي والاقتحاميّ الذي يمثّله بيكاسو والذي استطاعَ عن سابقِ نيّةٍ أن يُخضعَ المشهدَ الفنيَّ لمزاجِه الشخصيّ ولروحِه المتمرّدةِ مثلَ روحِ بهلوانٍ، وبين نموذجَ الانسحابيّ الذي كانَ فان غوخ يمثّلُه والذي دفعَ ثمنَه ليس أذنه فحسب بل حياتَه كلّها التي أنهاها أيضاً عن سابقِ نيّةٍ وقصدٍ... الأوّلُ عاشَ المجدَ كلَّه، والثاني عاشَ الجحيمَ كلَّه"...

"نقوش على خشبِ الصليب" روايةٌ تجمع بين حسّ الفنّانِ وإبداعِ الكاتبِ، وبينَ موهبةِ الرسّامِ وبيانِ الراوي، فكاتبُها، كما أسلفتُ، رسّامٌ مبدعٌ اختارَ تعابيرَه كما يختارُ ألوانَ لوحاتِه، فكان وصفُه فيها دقيقاً رقيقاً أنيقاً كأنّ قارئها أمامَ لوحةٍ تكادُ تنطقُ لجمالِها، وهذا ما تمثّلتُه وأنا أقرأ ما جاءَ فيها من وصفٍ كقولِه: "النسائمُ الباردةُ كانتْ عادةً تسبقُ خطى المساءِ نحو النهرِ تاركةً في هبوبِها الناعمِ غبشاً خفيفاً على العدساتِ الطبيّةِ المدوّرةِ التي كانَ أمجد غازي يرتديها، والتي كانتْ تأتلقُ عيونه الداكنةُ خلفها، وقد ارتسمتْ في كثافتِها صورةٌ غائمةٌ لأشجارِ الزيزفونِ المرصوفةِ على الضفّةِ الأخرى"...

أمّا منشورات رامينا منشورات رامينا التي أصدرتْ هذه الروايةَ البديعةَ فقد أضافتْ أيضاً لمساتِها الأخيرةَ التي عُرفتْ بها من جودةٍ وإتقانٍ واهتمامٍ باللغةِ وعنايةٍ بالتفاصيلِ وجمالٍ بالإخراجِ... وأعتقدُ أنَّ خيرَ ما أختمُ به لوصفِ الأستاذ إسماعيل وبطلِ روايته هذا الاقتباسُ للرافعيّ:

"فالنابغةُ كأنّه إنسانٌ من الفلكِ، فهو يخزّنُ الأشعةَ العقليّةَ ويريقها، وفي يده الأنوارُ والألوانُ والظلالُ يعملُ بها عملَ الفجرِ كلّما أظلمتْ على الناسِ معاني الحياةِ، ولا تزالُ الحكمةُ تلقي إليه الفكرةَ الجميلةَ ليعطيها هو صورةَ فكرتِها، وتوحي إليه معنى الحقِّ ليؤتيَها هو معنى جمالِ الحقِّ، والطبيعةُ خلقَها اللهُ وحدَه لكنّها ليسَتْ معقولةً إلّا بالعلمِ، وليسَتْ جميلةً إلّا بالشعرِ، وليسَتْ محبوبةً إلّا بالفنِّ"...

الكاتب

مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية