إلى أغنية الأزل!
غَمامٌ ونُوْرٌ، وَرْدٌ وهِيَامٌ
***
يا مجدَ البَحر!
يا هبةَ الأبجديةِ الأولى!
أيتها المدينةُ العتيقةُ التي تُؤْنسُ القمرَ من يَقِينِ الليل
أكتفي بظلّكِ ولا أكترثُ بثراء الورد...
***
أيتها المرأةُ المأهولةُ بأقمار القصيدة،
الأجملُ من الماء في أعالي الغِبْطة!
لمآثر الأُرْجوان يَغْوي شاعرٌ الكلماتِ إلى المتاهة، لن يسألَ الأمداءَ إلا عن التخوم،
عن موطن الوردة المرتقبة!
***
ها هي النَّجمةُ تُضيءُ بندائها عراءَ الوقت!
بعيداً يستيقظُ الشَّاعر في صَبَاحٍ من گاردِينِيَا على ضِفّةِ قَلْبِهَا.
البَجَعَةُ التي تحرسُ أَحْلامِ الماءِ،
اليمامةُ التي توقظ الألفةَ في أفاريز النوافذ المهجورةْ
ليس إلا أَنْتِ بعينيكِ اللتين تبدّدان المللَ عن حَدَائِقِ المدينةْ!
***
يَسْرُدُ المسافرُ ترنيمةً لِظِلّهِ:
برموشٍ طويلة يقتربُ الليلُ من بحرِكِ مثلَ طَائرٍ أَليفْ؛
يرتجلُ الغَلَسُ اسمَكِ هواجسَ للنهار
يدنو ظلُّكِ، يومضُ نداؤكِ، يسطعُ وجهُكِ، تترصّعُ ضِحْكَتُكِ كِحَلاً لرُمُوشِ البَحْر.
هي الأسرارُ كلما نظرَتُ في عينيكِ، يَصْعَدُ المجازُ غماماً.
***
يا لأَهْوَالِ الجمال كمالاً:
بَعْثِري أوصالي على صُخُوْرك،
في أنحائكِ، على دروبكِ في المدينةِ العتيقةْ
أنتِ العالمُ كثافةً!
الأشجارُ التي يؤمُّها الدُّوْريُّ،
السُّهوبُ التي أطوي سَرَابَهَا ولمّا...،
المروجُ المنحدرةُ إلى ضفافِ الرِّيح إشراقاً.
عيناكِ تفتحانِ للنهار ممراتٍ إلى ينابيع الضّوء.
يا غزلَ الموجِ للقمر الشَّارد! يا ترنيمةَ الجبلِ والبَحر!
أيتها الأنثى المضفورة من لغةِ الماءِ والرّيح في أوردة العاصفة،
يا عبق الغابات!
***
يَلُوْذُ بِقَلبِها التائه
هكذا تَنْحَدِرُ النَّجْمَةُ عن ندائها، يَتَلاشَى الظّلانِ في ممراتِ الرّيح حيث يصُوْنُهَما الّليل.
إنها الغِبْطَةُ تَسْتَيْقِظُ بِشُمُوْسِهَا، إنه الحبُّ يمتدُّ بعواصفِهِ، بأمطارهِ، بغاباتِهِ، بهذا البَهاء الذي يتوّجُ عينيكِ فتتناءَى النجومُ الأخرى بإبائها انكساراً.
***
مفاتنُكِ أقمارٌ:
جسدُكِ الثريُّ، القارةُ العَذراء
أَريجُ الغاباتِ حيث تقطنُ مدينةٌ الجَكَرَنْدَة ببحرها،
ممالكُ القمح الشّاسَعة، حقولُ الأعناب، السُّفوحُ، السنديانُ الملكُ، الأجرافُ موطنُ الرّياح، تضاريسُك التي من رخامٍ أبيضَ، نادرٍ لامثيلَ له.
إنه جسدُكِ المشغولُ بمهارة آناهيتا حيث عناقُ الشّمْس، عواصفُ الأنواء، شظايا زعانفِ المطر وطأةً.
ما خصرُكِ إلا مأوى، خليجٌ تستحمُّ فيه النُّجومُ الشّاردة ...
أيُّ لغةٍ سوف ترتقي لتصوغَ هذا التَنَاسُقَ في قَوامِكِ المقدودِ بلهفةِ السّرو ورونق النَّسِيم؟
أيُّها الفارس الضّاربُ بجوادك المطّهم صوب سمواتِ فينيقيا الزرقاء!
***
هذا العَسَليُّ المخضرُّ في عَيْنَيْكِ لا يتقنُ المهادنة،
مكمنُ الحجر الكريم.
إنّها الضَّراوةُ التي تفتّتُ يقظةَ الفَارس في جموحِهِ،
لا تحيطُ القصيدةُ بهذه البراري الغَامضة، بهذا المبهمِ المندلعِ من هذهِ الظّلالِ المتوَّجةِ بالموسيقى!
يدنو المسافرُ من بحيرتين نبيذاً، يضربُ حفنةَ ليلٍ خيمةً له ثم يتأمّلُ المستحيلَ واللامرئيَّ على نار فاجعةِ هذا السّحر في عينيكِ...
هذه الظّلالُ تودعُ المجهولَ غيمةً في قلبِ المسافر أبداً...
هذه الظّلالُ تربكُ الكلماتِ في شوقها إلى المعنى...!
***
يَدَاكِ يحرّرانِ اللانهائيَّ من عَتْمةِ الصّمت
يَدَاكِ صرخة الجمالِ أنيناً!
مع كلّ حركةٍ من أصابعكِ تحدثُ الفُجَاءةُ، تولد الدّهشةُ كهذه السَّماء المرتعشة خلفَ غابةِ السّنديان بِكَادٍ تُشْرقُ فتغوي.
كفّاكِ بهذه الزَّنابق الرشيقةِ إذ تحتضنان وجهَكِ يغدو الحقيقيُّ فسحةً ليتورّدَ المستحيلُ وردةً مبهمةً في طريق التائه!
***
القهوةُ الكستناءُ،
هذه الأمطارُ الشّقراء
هذه الخُصُلَاتُ الأثيثةُ تغوي إلهَ الرّيح
هذه الحشودُ المغطّسةُ في أنينِ الذّهبِ تنهارُ بلذّةٍ على كتفيكِ
يا لِسِحْر النَّدى!
إنها ابتسامتُكِ؛ رشقةُ صَبَاحٍ تَتَأَلّقُ على شَفَتي الوردةْ!
بل أشدُّ افتتاناً:
الرنينُ الذي يُزهر في ضحكتكِ يدعُ الأزلَ يتخثّرُ في بهاءِ نجمةٍ!
بداهةُ نبعٍ، حقلُ قمحٍ، رحابةُ سماءٍ، قصيدةٌ تباغتُ الشاعرَ في غفوته، هذه الضحكة فسحةُ ريحان على كتفِ نهرْ.
آه لو تمضي بي اللغةُ أبعد من ذاتها، أنأى من الليل والنّهار، أن أستيقظَ معها على عتبةِ اللانهائي ــ يجهشُ التائهُ ألغازاً في سيرهِ صوبَ بحيرةِ النّار.
***
أيُّها الحبُّ!
أيتها البحيرةُ!
ألا لتقتربِ الظّلالُ من الظّلالِ،
ألا لتتألقِ السماءُ بخيولها الزرقاء...
نجمةٌ وتائه، امرأة من شجرٍ وغمام تُطِلُّ على البحر، مسافر من تيهٍ يستردُّ السهوبَ إلى دروبِ الرّيح بين أصابعها.
أيُّها المسافرُ خَبِّئ نجمتكَ في قَطْرةِ ندىً قبل أَنْ يخطفَهَا الليل
لم يكُن هواي سوى "وردةٍ" فحسبُ، تسردُ النَّجمةُ ظلّها على حقل الأقحوان، لم يكن سوى وردةٍ حين انهارُ الليلُ بندائي في رنين القصيدة، لم يكُن... لكنّها الطرقاتُ بأمطارها أَغْوَتْنِي بعناقيدِ الحكاية.
أيتها البحيرة!
أيتها السُّهوب التي تقودُ مراكبَ السّرابِ بجيادٍ ورديةٍ مطهمة!
أَلَا لِيَقْتَربِ القَلْبُ من القلبِ، نجمةٌ وتائه يَرْتديانِ رَذاذَ الحلم نحو بلد الأُرْجوان.
لم يكنِ الأَمْرُ رميةَ نَرْدٍ، بل كان حَدْسَاً أشرقَ زهرةَ گاردينيا في لَيْلِ المسَِافر.
أيٌّها الحبُّ انسج مَصَائرَ الليل والنّهار!
اصْعَدي أيتها الأرض، اهبطي أيتها السَّماء!
بجعتانِ، خَفْقَةُ أَجْنِحَةٍ، اصطخابُ بحيرةٍ في نَار المسَاء.




0 تعليقات