يشغل الروائي السعودي عزيز محمد مكانة بارزة في المشهد الروائي السعودي المعاصر، بعد أن لفت الأنظار بروايته الأولى «الحالة الحرجة للمدعو ك» الصادرة عام 2017، والتي بلغت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) لعام 2018، قبل أن تواصل حضورها عبر ترجمات إلى عدد من اللغات. ويكتب عزيز محمد أيضاً في النقد السينمائي، وشارك في عدد من الفعاليات والمهرجانات الأدبية والثقافية داخل المملكة العربية السعودية وخارجها.
واليوم تصل «الحالة الحرجة للمدعو ك» إلى القارئ الكردي بترجمة تصدر عن منشورات رامينا في لندن، بالتعاون مع وكالة كلمات السعودية، الوكيل الأدبي للكاتب، وبدعم من هيئة الأدب والنشر والترجمة ضمن مبادرة «ترجم». وتأتي هذه الترجمة امتداداً لجهود الوكالة في تمثيل أعمال عزيز محمد وإيصالها إلى قراء جدد عبر اللغات المختلفة، وفي سياق حراك ثقافي يعزز الحوار بين الأدبين العربي والكردي.
في هذا الحوار، يتحدث عزيز محمد عن معنى انتقال الرواية إلى لغة جديدة، وعن رؤيته للترجمة بوصفها كتابة ثانية للنص، كما يتوقف عند عالم «الحالة الحرجة للمدعو ك» وأسئلتها الفنية والفكرية، ويشارك القارئ الكردي تأملاته حول الحرية والكتابة والعلاقة بين الأدب والهوية، في أول لقاء مباشر مع جمهور يقرأ أعماله باللغة الكردية.
س - تصل روايتكم «الحالة الحرجة للمدعو ك» إلى القارئ الكردي عبر ترجمتها إلى الكردية، عن منشورات رامينا، بالتعاون مع وكالة كلمات وبدعم من هيئة الأدب والنشر والترجمة ضمن مبادرة «ترجم». حين تعبر الرواية إلى لغة أخرى، هل تشعرون أنكم تكسبون قراء جدداً، أم أن الرواية نفسها تبدأ حياة جديدة تختلف عن حياتها الأولى؟
ج - أميل إلى الاحتمال الثاني، فالقراء يتجددون دائماً، ويمكن للكتاب أن يعثر باستمرار على شريحة جديدة من المهتمين، لأسباب قد لا يكون لها بالضرورة علاقة بالأدب، لكن الترجمة تبث في النص روحاً جديدة لأن النص نفسه يتحول مع كل ترجمة. لهذا فإن العبور إلى لغة أخرى يترك لدى الكاتب، وإن لم يتدخل في الترجمة أو حتى يقرأها، شعوراً بأنه أنهى الكتابة من جديد. ولهذا أحمل امتناناً شخصياً كبيراً لكل ترجمة جديدة وكل من ساهم في هذا العبور إلى لغة أخرى، حتى قبل أن تصل إلى القارئ الذي يمنح هذه الروح الجديدة موقعها من الحياة.
س- تحمل الرواية عنواناً يثير الفضول قبل الدخول إلى متنها. لماذا اخترتم "المدعو ك" تحديداً؟ وما الذي يتيحه هذا الاختيار من دلالات فنية وفكرية، بعيداً عن الاكتفاء بتسمية شخصية روائية؟
ج- الكاف هنا تحيل إلى الاسم الذي يضعه الروائي التشيكي فرانز كافكا لأبطاله في بعض أعماله، عطفاً على تأثر البطل في روايتي به. يصرّح السارد بهذا التأثر منذ البداية، إذ يشير إلى أنه بدأ كتابة يومياته بعد أن قرأ يوميات كافكا، لكن مع تقدم اليوميات تتداخل مستويات متعددة من التأثر، بدءاً من المحاكاة الأسلوبية والتناص وحتى توازي حياة البطل مع حياة كافكا نفسه: مواجهة الأنظمة البيروقراطية، المرض، عقدة الأب، عجز الكتابة، العزلة الاجتماعية، العلاقة بالجنس الآخر، إلخ. لم أكن أسعى بصراحة إلى خلق حوار مع إرث كافكا الأدبي بقدر ما كنت مهتماً بالحالة الهروبية التي يخلقها حضوره في نفس السارد، فهو من ناحية يستخدمه ليسائل هذه الأنظمة والقوى التي يصارعها، إلا أنه من ناحية أخرى يتخذه ذريعة ليبرر استحالة التغلب عليها.
س- يقرأ جيل واسع من الشباب أعمالكم، ويشعر أن أصوات شخصياتكم تنتمي إلى واقعه وأسئلته. كيف تفسرون هذه العلاقة؟ وهل تفكرون في القارئ أثناء الكتابة، أم تتركون النص يقودكم إلى قارئه؟
ج- لا، لا أعتقد أنني أستهدف شريحة محددة أثناء الكتابة. وإن امتلكتُ تصوراً لمن سيعجبه هذا الكتاب أكثر من غيره فإنه يكون تصوراً لاحقاً لعملية الكتابة لا سابقاً لها. نقطة انطلاقي هي أن أكتب ما سأحب أن أقرأه. يهمني أن تشبه الكتابة التفكير بصوت مرتفع وتساعدني على استنطاق الحياة اليومية وتحليلها، وتقودني إلى أسئلة غير متوقعة أكثر من أن تنتهي بي إلى إجابات مسبقة. وأعتقد أن هذه صفة مشتركة بيني وبين العديد من القراء الشباب الذين يشعرون أن الواقع المعاصر يتغير أسرع من قدرتهم على تأمله وفهمه. مع هذا أؤمن أن الكتابة الجيدة تتجاوز مثل هذه التصنيفات، ولهذا أغتبط بردود أفعال قراء من شرائح عمرية مختلفة حين يصلني أن أحد شخصياتي خاطبتهم أو حركت فيهم شيئاً.
س- قد تكون الترجمة الكردية نافذة أولى يتعرف منها القارئ الكردي إلى اسم عزيز محمد. كيف تودون أن يقدم هذا اللقاء الأول مشروعكم الأدبي؟ وما الفكرة التي تتمنون أن تبقى في ذهن القارئ بعد إنهاء الرواية؟
ج- من الصعب أن أحدد كيفية استقبال القارئ للعمل والمشروع الأدبي ككل، لأن كل قارئ في النهاية يملك منطلقاته الخاصة وتجاربه التي تقود تأويلاته وتجربته مع العمل. كل ما أطمح إليه هو أن يجد القارئ في الرواية ما يشعره بأنها تخاطب أيضاً أسئلته وهمومه. بالنسبة لي هي رواية عن الحرية؛ حرية الإنسان العادي البسيط، الذي يقضي جلّ نشاطه في العمل وينشغل بشؤونه اليومية ويحاول أن يجد الوقت ليمارس هواياته، وكل ما يطمح له هو أن يعيش حقيقته، لكن يجد نفسه محاطاً بأنظمة وتقييدات تكبّل هذا الحق البسيط: حق الإنسان في أن يكون نفسه. لكنها أيضاً انتقاد للفردانية التي تنشأ من هذا التمرد، فالبطل يكتشف أثناء سعيه الصارم لأن يفوز بنفسه أنه خسرها، وهذه إحدى المعضلات التي تتكثف بإصابته بالسرطان. لا أعتقد أن طبيعة المرض نفسها ضرورية، لكن المهم هو كيف يدفع بالشخصية إلى حدودها القصوى، فمن جهة يحررها من قيودها ومن جهة أخرى يجردها من دفاعاتها. والتراوح بين هذين الضدين هو ما يجعل القصة مشوقة بالنسبة لي، وهو ما قد يدفع القارئ لتتبعها حتى النهاية، لأنه سيرغب أن يعرف إلى أي حد هذه الحالة الحرجة حرجة فعلاً، وإن كان ثمة مخرج منها بعد كل شيء.

س- تنتقل الرواية من العربية إلى الكردية، وهي محمّلة بإيقاع لغوي وإشارات ثقافية وتجارب محلية. ما أكثر ما يشغلكم عندما تعرفون أن نصكم سيعاد بناؤه في لغة أخرى؟ وهل هناك عناصر تخشون أن تفقد شيئاً من أثرها، أم تثقون بأن الترجمة تمنحها شكلاً جديداً من الحياة؟
هناك الكثير من المشتركات بين الثقافتين العربية والكردية، وبالتالي لا يراودني قلق كبير بخصوص فهم القارئ الكردي للخلفية الاجتماعية والثقافية للشخصيات، خاصة أن هذا العمل تحديداً لا يراهن بشكل كبير على تفاصيل البيئة المحلية. العنصر الوحيد الذي أتساءل بخصوصه هو مستوى لغة السرد، إذ تتباين جزالة الألفاظ والتراكيب اللغوية عند السارد من وقت إلى آخر، متراوحة بين الفصحى التقليدية والفصحى الأقرب إلى لغة الكتب المترجمة، والتي تحيل إلى الروايات الأجنبية التي تطغى على عالم البطل، إذ يستعير لغتها كأسلوب تكيّف مع واقعه وشعوره بالغربة وافتقاره لأدوات النجاة. تكمن أهمية هذه التركيبة اللغوية في كونها تحمل دلالات على حالته النفسية ومواقفه من الأحداث والشخصيات المحيطة به، وهو ما وُفق المترجم الراحل همفري ديفيز في نقله إلى النسخة الإنجليزية من الرواية، لكن للأسف لا تسعفني معرفتي باللغات الأخرى في تقييم حضور هذا العنصر في بقية الترجمات.
س- بعد صدور «الحالة الحرجة للمدعو ك» بالكردية، ما الذي تودون قوله للقارئ الكردي؟ وهل تتمنون أن تكون هذه الترجمة بداية حوار أدبي طويل بين تجربتكم والقراء الكرد، يمتد إلى أعمال روائية أخرى في المستقبل؟
طبعاً، أملك تقديراً كبيراً للثقافة الكردية التي عرفتها عن طريق كتاب كرد يكتبون بالعربية، ومن بينهم أصدقاء أعتز بأخوتهم وعشرتهم، وأتطلع إلى التواصل مع بقية القراء والكتاب الكرد ومعرفة آرائهم التي ستثري تجربتي دون شك، وأرجو أن تحظى بقية أعمالي مستقبلاً بهذا الشرف. كما أرجو أن تكون هذه الترجمة جزءاً من حراك ترجمي من العربية إلى الكردية والعكس، يعزز التبادل اللغوي والثقافي بين الثقافتين وينتج فهماً أعمق للآخر القريب والبعيد، حيث تبدو مثل هذه الجسور، في منطقتنا تحديداً، أكثر ضرورة اليوم من أي وقت مضى.




0 تعليقات