في الحلقتين السابقتين من هذا الحوار، توقّفنا مع الفنان والكاتب إسماعيل الرفاعي عند بداياته الأولى، ومصادر إلهامه، والعلاقة المعقّدة بين الفن والحياة والتجربة الشخصية. أمّا في هذه الحلقة، فنقترب أكثر من المسار الذي تبلورت فيه تجربته الفنية خلال السنوات التي قضاها في الشارقة، المدينة التي شكّلت فضاءً حاضناً لتحوّلاته البصرية والفكرية، وأسهمت في نضج مشروعه الفني على امتداد أكثر من عقدين.
من مرسمه في بيت الشامسي، وسط الحراك الثقافي الذي شهدته الإمارة منذ مطلع الألفية الجديدة، بدأت تتشكّل ملامح تجربة بحثت باستمرار عن لغتها الخاصة، متنقلة بين التجريد والتشخيص، وبين الذاكرة والخيال، وبين الأسئلة الجمالية والهواجس الوجودية. كما نتوقف عند المحطات المفصلية التي تركت أثرها العميق في أعماله، من رحيل والدته وما ولّده من تحولات داخلية، إلى الثورة السورية وما فرضته من مراجعات قاسية للغة الفن ودوره في مواجهة الفقد والعنف والخراب.
في هذه الحلقة، يفتح إسماعيل الرفاعي أبواب مرسمه وذاكرته معاً، مستعيداً مراحل التشكّل والتحوّل، ومتأملاً العلاقة بين التجربة الشخصية والتحولات الكبرى التي انعكست على أعماله خلال السنوات الماضية.
تحدّثتَ عن أنّ مشروعك الفني تبلور فعلياً في الإمارات، وأنّ كل ما أنجزته في سوريا من لوحات ونصوص كان، بطريقة ما، تمهيداً لهذه التجربة، هل لك أن تحدثنا أكثر عن ذلك؟
حين وصلتُ إلى الشارقة في نهاية عام 2002، كانت المدينة تعيش حراكاً فنّياً وثقافياً لافتاً، والمفارقة أنّ أول مكان عرفته فيها كان المكان نفسه الذي ما زلت أعمل فيه حتى اليوم، منذ ما يقارب ربع قرن. كانت تُعرف آنذاك بـ"منطقة الفنون"، وهناك بدأت علاقتي اليومية بالمشهد التشكيلي في الإمارة. عملتُ بدايةً في دائرة الثقافة ضمن إدارة الفنون، ثم في بينالي الشارقة الذي تطوّر لاحقاً إلى مؤسسة الشارقة للفنون. ومن حسن حظي أنّني حصلت، منذ الأيام الأولى، على مرسم مشترك مع الفنان السوداني ضياء الدوش، الذي كان يعمل هو الآخر في دائرة الثقافة.
كان بيت الشامسي، وهو بيت إماراتي قديم، قد تحوّل بعد ترميمه إلى فضاء للفنانين تحت اسم "رواق الشارقة للفنون". ضمّ المكان ثلاثة عشر مرسماً لفنانين من تجارب وأساليب وجنسيات مختلفة، وهناك بدأت الرحلة الحقيقية: رحلة البحث والعمل والرسم اليومي المتواصل.
كان البيت نفسه نابضاً بالحياة، فيما كانت الساحة المحيطة به أشبه بورشة مفتوحة للفنون، تضم جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، ومتحف الشارقة للفنون، ومعهد الشارقة للفنون، ومرافق ثقافية أخرى كثيرة. وفي تلك المنطقة كانت تُقام عروض البينالي، والمعارض الكبرى، والمعرض السنوي للجمعية، إلى جانب عدد كبير من الفعاليات والبرامج التي منحت المكان طاقة استثنائية وحضوراً دائماً للحركة الفنية.
وفي مرسمي، وخلف الباب الخشبي المصنوع من خشب التيك الهندي، بدأت المسيرة تتشكّل بهدوء، يوماً بعد يوم. ولوحةً بعد لوحة.. فما إن يُغلق ذلك الباب، حتى تفتح أبوابٌ عدّة: الهواجس التي كانت تضج برأسي طوال تلك السنين.. التّوق العتيق الذي يدفعني لأن أتعرف أكثر على إمكاناتي ومقدرتي في صياغة مشروع يلامس روحي ويلتقط ذلك الأجيج الذي يضجّ بكياني كلّه، ويسبر عالمي الداخلي بما تبدى منه أو توارى، ويحمل في الوقت نفسه نبضي وهواجسي الخاصة. آنذاك وفي هذه الرقعة من العالم.. وفي ذلك البيت الآهل بالفن والحياة، وفي تلك الحقبة الزمنية المفعمة بالطاقة والرغبة في الاشتغال الدائم؛ بدأت أشعر أن الفرصة متاحة للانطلاق في تلك الرحلة.. وهكذا بين نزقٍ وآخر، بين شكٍّ ويقين.. بين تعسّر وتكشّف، كانت الخطوات الحقيقية التي يمكن العودة إليها، والاستدلال بها.
بين عامي (2002 و2005) انشغلتُ بإنتاج مجموعة من الأعمال التي يمكن أن تندرج تحت مسمى "التعبيرية التجريدية"، في مرحلة كانت قراءاتي خلالها تتجه بكثافة نحو النفّري والحلاج ومحيي الدين بن عربي، وغيرها من النصوص الصوفية التي تركت أثرها الواضح على تلك التجربة. وربما كان أكثر ما يشغلني آنذاك هو السعي الدائم إلى ابتكار تكوينات جديدة وصياغات لونية مختلفة، ومحاولة العثور على صوت خاص داخل فضاء التجريد.. خصوصاً وأنّ "الشكل المعادل" الذي يمكن أن يعبّر عن إيقاعي الداخلي وحسّي الخاص، لم يكن قد تبلور بعد.
لكنّ التحوّل الأعمق في طبيعة اللوحة حدث بعد وفاة والدتي، رحمها الله؛ فقد كان رحيلها أشبه بالفجيعة التي كنت أخشى وقوعها مذ غادرتُ سوريا. لقد شعرتُ بأنني فقدتُ صلتي بالكون، وأنني عدتُ أعزل من جديد. وكأن الحبل السرّي الذي كان يربطني بالأرض والحياة قد انقطع، وصرتُ مسكوناً بشعورٍ عميق بالخسران والعزلة. ولم يكن من سبيلٍ للاستمرار سوى الغرق أكثر في الرسم والكتابة. آنذاك كنت أعمل أيضاً على كتابة رواية «أدراج الطين»، وكان العالم الذي ضمّته هذه الرواية وثيق الصلة بالمكان الذي نشأتُ فيه بكل ما يختزنه من ذكريات: حارتي، ونهر الفرات، والبيوت الطينية، والكثير من الوجوه التي كانت غائبة وحاضرة في آنٍ واحد. وسرعان ما انتقلت تلك العوالم إلى مجموعة اللوحات التي أنجزتها في تلك المرحلة. وربما منذ تلك اللحظة بدأ الفن، بالنسبة لي، يتحوّل تدريجياً من مجرّد بحثٍ تشكيلي إلى محاولةٍ أعمق لفهم الفقد والذاكرة والهشاشة الإنسانية، والبحث عن خلاصٍ شخصي عبر الفن وحده.

إلى أي حد لعبت تجربة الفقد دوراً في نقل اللوحة من التجريد إلى الذاكرة الشخصية؟
بعد تلك الاستعادات المرتكزة على ذاكرة الحنين والفقد، بدأت موضوعات أخرى وتكوينات مختلفة تغزو اللوحات تدريجياً، وبدأت مرحلة جديدة من التجريب، قوامها البحث عن صياغات محوّرة وتجاورات بصرية مغايرة تماماً لما كنت أعمل عليه سابقاً. ويمكن القول إن هذه المرحلة امتدت تقريباً بين عامي 2005 و2010، حيث بدأت اللوحة نفسها تشهد تحوّلاً جديداً في بنيتها وصياغتها.
لكن قبل ذلك التحوّل، كانت الكائنات التي تتضمّنها الأعمال الفنية لا تزال تحمل بعداً إنسانياً حميماً، حتى وهي تتجه نحو الاختزال والتحوير. كانت أقرب إلى ظلال أو أطياف لكائنات تخرج من الذاكرة أكثر مما تنتمي إلى الواقع، وكأنّ اللوحة كانت تحاول، بطريقة ما، أن تنقذ ما يمكن إنقاذه من صور الداخل قبل أن تبتلعه المسافة والزمن.
كل شيء بدا مثالياً آنذاك: موقع العمل الملاصق للمرسم، وطبيعة العمل ضمن مؤسسات ثقافية مهمة، والاهتمام الكبير الذي أولته الشارقة لرعاية الفن والفنانين ودعم التجارب الجديدة. لكن الأهم من ذلك كله كان إدراكي، منذ اللحظة الأولى، أنّ الأمر يتعلق بي شخصياً، وبقدرتي على النظر إلى داخلي والإنصات إلى إيقاعي الخاص.
وفي مرحلة من المراحل، كان إيقاعي الداخلي أسرع من إيقاع اللوحة نفسها، وكانت غزارة الإنتاج تفوق قدرة رسّام واحد. ربما كانت الاستمرارية والغزارة هما السمتين الأكثر التصاقاً بممارستي الفنية، إلى جانب ذلك الشغف الدائم باقتراح أساليب جديدة، والدخول في اختبارات بصرية وموضوعات مختلفة، بوصفها ديدناً لازمني طوال تلك السنوات، وما يزال يرافقني حتى هذه اللحظة.

بين التجريد، والتشخيص الذي أنتجته بمختلف انزياحاته وتحويراته، كان ثمة تحوّل لافت كان واضحاً في التجربة التي عرضتها في متحف الشارقة للفنون في معرض "علامات فارقة" الذي أقمته في عام 2010، هل ثمة تفاصيل يمكن الحديث عنها؟
في كثير من الأحيان تترسخ قوة اللوحة في القدرة على الاختزال والحذف، في القدرة على نزع مختلف الطبقات الفائضة عن الحاجة وملامسة جوهر الشكل الذي يظهر في مخيلتك كإلماحات خاطفة ينبغي التقاطها ومحاولة إشاعتها في فضاء اللوحة، والتي بدورها تستوجب ابتكار بيئة متكاملة من الألوان والخطوط والمساحات التي يمكن أن تتنفس في إطارها.. ومثلما تنمو بذرة في عزلتها تحت قشرة التراب، كذلك شأن بعض الأعمال التي تتنامى على مهل في أعماقنا السحيقة، دون دراية أو معرفة منا، والتي تخلق مع ولادتها جملة متكاملة من العناصر والمناخات اللونية والروحية التي تسم مرحلة بأكملها، وتصوغ تجربة متكاملة وفارقة في مسيرتك الفنية. أحياناً، تبدأ كما أسلفت كإلماح خاطف، ويلعب إيمانك بنفسك وبموهبتك دوراً كبيراً في قدرتك على التقاطه، وبالتالي وضعه في حيّز الاختبار بحيث يصبح جزءاً أصيلاً من وعيك وإدراكك لما يحدث في العالمين الداخلي والخارجي على حدّ سواء.
ومثلما تحدث حالات من الفيض والزخم في الإنتاج، كذلك تحدث حالات من الكمون والصمت والعجز شبه الكلي عن الإنتاج.. وقد اختبرت تلك الحالة مرات عديدة، لكن أكثرها حدة ووضوحاً حدث في أواخر عام 2009، وفي وقت متزامن تقريباً مع الدعوة التي تلقيتها من متحف الشارقة للفنون لإقامة معرض فردي ضمن برنامج جديد أطلقه المتحف آنذاك تحت عنوان: "علامات فارقة". بالنسبة لي، شكّلت تلك الدعوة منعطفاً مهماً ونقلة نوعية على أكثر من مستوى، ليس فقط لأنها جاءت من مؤسسة فنية مرموقة، بل لأنها وضعتني أمام اختبار مختلف تماماً لتجربتي.
وفي الأسابيع الأولى من استعدادي للاشتغال على أعمال جديدة للمعرض، دخلت في حالة من العجز.. وأصبحت كل لمسة أضعها على اللوحة بمثابة سياط لا يمكن احتمالها.. أصبح الرّسم موجعاً، ولم أنجح طيلة أسابيع عديدة في إنجاز أي شيء يمكن أن أركن إليه، حتى جاءت تلك اللحظة التي انكشف فيها عالم متكامل من الأشكال والمناخات اللونية..
في تلك المرحلة تحررت العناصر المرسومة من الجاذبية، وأصبحت الكائنات التي اتشحت بهيئة أسطورية طافية في مناخ أزرق حلمي. ثمة عالم جديد يولد، وكان كل ما علي فعله، هو الإمساك بالريشة والاستسلام إلى تلك القوة الغامضة والعارمة التي كانت تتدفق عبر تشكيلات وتكوينات بصرية، والتي أشبعت آنذاك نوازعي الجمالية والروحية..
كانت لحظات من تكشّف الوعي الذي جلب معه تلك الهيئات المتوارية في عتمة الروح إلى النور، بعد أن تملكني شعور بأن كل ما أنجزته سابقاً لم يعد قادراً على إقناعي وبأنني وصلت إلى نهاية صيغة ما، وأنّ عليّ أن أبدأ من مكان آخر، حتى لو لم أكن أعرف ملامحه بعد. وكأنّ اليد فقدت يقينها القديم. لكنني أدركت لاحقاً أنّ ذلك التعطّل لم يكن فراغاً، بل كان مخاضاً لتحوّل عميق في بنية اللوحة نفسها، وفي علاقتي بالرسم وبفكرة الصورة عموماً. أنذاك لم أعد معنياً باللوحة بوصفها سطحاً جمالياً فقط، بل بوصفها كياناً حيّاً يحمل أثر التجربة الإنسانية بكل هشاشتها وقلقها وأسئلتها. وربما للمرة الأولى بدا لي بأنّ الهوية البصرية التي كنت أبحث عنها طوال السنوات السابقة بدأت تتكشّف بوضوح أكبر، لا باعتبارها أسلوباً فنياً مختلفاً وأصيلاً، بل باعتبارها وعياً أعمق بالعالم وبالذات وبالزمن الذي نعيشه.

أخبرنا أكثر عن امتدادات تلك التجربة، وعن الأعمال التي أسفرت عنها لاحقاً..؟
الحقيقة أن الاشتغال على تلك المرحلة لم يدم طويلاً. فسرعان ما انحسرت الألوان الزرقاء بتدرجاتها المشفوعة بالألوان البنفسجية ولمسات أحمر الكادميوم، واختفت تلك الأشكال الحالمة التي كانت تحلّق في فضاء المخيلة وتتداخل في طقس بصري أقرب إلى الحلم، تاركة المجال للألوان الرمادية كي تتمدد على كامل القماش، وللأشكال أن تعود إلى جذرها الأرضي. فقد اندلعت الثورة السورية، وأصبحت المقتلة اليومية التي تعرّض لها شعبنا السوري هي المشهد الطاغي. وكان لابدّ لتلك المأساة أن تجد طريقها إلى كياني، وأن تهزّه بأسره وتعصف به حتى أقصاه.
وكنت حريصاً على مقاربة هذا الحدث اليومي بطريقة تليق بها، والابتعاد عن المباشرة والتقريرية، فالصورة، مهما بدت قوتها ومطابقتها لما يحدث، تظلّ عاجزة أمام صور المجازر التي كانت تحدث يومياً، وأمام نهر الدم الجاري على امتداد البلاد كلّها. ومرة أخرى، وبعد حالات من الإحساس بالعجز عن إنتاج ما يمكن أن يقارب تلك المقتلة، أو يلامس أبعادها الإنسانية العميقة، ولدت تجربة جديدة وجدت طريقها في عام 2013 إلى غاليري "المرخية" في الدوحة ضمن معرض حمل عنوان "أساطير يومية". وكانت الألوان الرمادية هي السمة الغالبة لمجمل الأعمال التي أنتجتها في ذلك الوقت فصاعداً، والتي أصبحت هي السمة الغالبة لأغلب الأعمال التي أنتجتها حتى وقت قريب.
إذاً انتهت مرحلة، وبدأت مرحلة جديدة مع بداية الثورة السورية.. تجربة بصرية أخرى تشكلت في تعالقها مع الواقع. كم استمرت تلك المرحلة وما هي أبرز ملامحها؟
قبل أن أجيب عن ذلك، أودّ الإشارة إلى أنني ما زلت أشعر بأن مجموعة الأعمال التي أنجزتها بين عامي 2010 و2013 لم تأخذ حقّها الكامل من الاشتغال. فما زلت، بين وقت وآخر، أشعر بالحاجة إلى العودة إليها، لأن ثمة عوالم واحتمالات كثيرة لم تُستكشف على النحو الذي كنت أطمح إليه. لكن ذلك التحوّل القهري الذي فرضته الثورة السورية وما تبعها من مآسٍ وويلات عاشها شعبنا، دفع التجربة إلى مسار آخر.
ومع ذلك، أنتجت في فترات متقطعة بعض الأعمال التي تنتمي عضوياً إلى تلك المجموعة، وهي من الأعمال الأثيرة إلى قلبي على كلّ حال، يمكن القول إن الأعمال التي جاءت بعد عام 2013، وعلى الرغم من التحولات التي طرأت على طبيعة الأشكال والثيمات التي تناولتها، فإنها تتشارك عدداً من السمات الأساسية، وفي مقدمتها هيمنة الألوان الرمادية التي أصبحت السمة الغالبة على معظم أعمال تلك المرحلة.
كما فرضت الموضوعات الجديدة البحث عن تكوينات وتحويرات بصرية تتناغم مع طبيعتها، خصوصاً في سلسلة «المسيح» التي عملت عليها في غضون ذلك العام، وأنتجت خلالها مجموعة كبيرة من الأعمال التي شكّلت بدورها ملمحاً آخر من ملامح تجربتي الفنية، وفتحت أمامي مسارات جديدة للاشتغال والبحث في صيغ تعبيرية وبنى تشكيلية مختلفة. لكن، ورغم كل تلك التحولات والمفاصل الفارقة على امتداد تجربتي، ظلّ هناك ذلك النسغ الخفي والوحدة العضوية التي تجمع مجمل هذه التجربة في بِنية واحدة متكاملة.








0 تعليقات