لطالما كانت العلاقة بين الكرد في سوريا ومؤسسات الدولة علاقة معقدة، فرضتها ظروف سياسية وأمنية استثنائية امتدت لعقود. ففي ظل النظام السابق، كان الانتماء إلى حزب البعث أو الخدمة في الجيش أو الشرطة أو الأجهزة الأمنية يُنظر إليه داخل المجتمع الكردي على أنه أمر معيب، بل وصل عند كثيرين إلى درجة اعتباره خيانة للقضية الكردية. لذلك فضّل معظم الكرد الابتعاد عن هذه المؤسسات، باستثناء قلة اضطرت إلى ذلك حفاظًا على لقمة العيش أو الوظيفة أو بدافع مصالح شخصية.

لكن بعد كل هذه السنوات، يحق لنا أن نتساءل: هل كان الابتعاد الكامل عن مؤسسات الدولة قرارًا صائبًا؟ وهل دفع المجتمع الكردي ثمن هذا الخيار؟

الواقع يقول إن غياب الكرد عن مؤسسات الدولة أدى إلى ضعف حضورهم في مواقع صنع القرار والإدارة والجيش والأجهزة التنفيذية. وعندما تغيب أي شريحة من المجتمع عن مؤسسات الدولة، فإنها تخسر القدرة على التأثير في القرارات التي تمس حياتها ومستقبلها. فالوجود داخل المؤسسات لا يعني بالضرورة تأييد السياسات أو التخلي عن المطالب القومية أو الوطنية، بل قد يكون وسيلة للدفاع عن الحقوق من الداخل والمشاركة في بناء مستقبل أفضل.


اليوم، ومع التغيرات التي تشهدها سوريا، يعود النقاش نفسه من جديد. هناك من يدعو إلى مقاطعة مؤسسات الدولة الجديدة، بينما يرى آخرون أن تكرار تجربة المقاطعة قد يقود إلى النتائج نفسها التي عاشها الكرد في الماضي. فسواء اتفقنا أو اختلفنا مع السلطة القائمة، فإن الدولة ومؤسساتها ستبقى جزءًا من الواقع السياسي، والابتعاد عنها لن يمنح الكرد نفوذًا أكبر، بل قد يؤدي إلى مزيد من التهميش.

ومن المهم أيضًا أن ننظر إلى تجارب الكرد في دول الجوار. ففي العراق، يشارك الكرد في مؤسسات الدولة الاتحادية إلى جانب مؤسسات إقليم كردستان. وفي تركيا، يشارك كثير من الكرد في البرلمان والإدارات المحلية ومختلف مؤسسات الدولة، رغم استمرار الخلافات السياسية. وفي إيران أيضًا، يعمل كرد في مؤسسات الدولة بمستويات مختلفة. هذه المشاركة لا تعني انتهاء الخلافات أو التنازل عن الحقوق، وإنما تعكس قناعة بأن الحضور داخل مؤسسات الدولة يمنح فرصة أكبر للتأثير من الغياب الكامل عنها.

إن المشاركة في مؤسسات الدولة لا يجب أن تُفهم على أنها ولاء غير مشروط لأي حكومة، بل هي ممارسة طبيعية يقوم بها المواطن للدفاع عن مصالح مجتمعه وخدمة بلده، مع احتفاظه بحقه في النقد والمطالبة بالإصلاح والعدالة. فمن الممكن أن يكون الإنسان موظفًا أو ضابطًا أو قاضيًا أو إداريًا، وفي الوقت نفسه مؤمنًا بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق شعبه.

ولا ينبغي أن نبني مواقفنا على انتظار نظام مثالي قد لا يأتي قريبًا. فالديمقراطية تُبنى بالتدرج، وبمشاركة جميع مكونات المجتمع، وليس بالانسحاب من مؤسسات الدولة وتركها للآخرين. وكلما كان للكرد حضور أوسع في الإدارة والجيش والقضاء والتعليم والاقتصاد، ازدادت قدرتهم على حماية مصالحهم والمساهمة في استقرار البلاد.

إن مراجعة أخطاء الماضي ليست دعوة للتخلي عن المبادئ، وإنما دعوة للتعلم من التجارب. وإذا كان الابتعاد عن مؤسسات الدولة قد أدى إلى خسارة فرص كثيرة في العقود الماضية، فمن الحكمة ألا نكرر التجربة نفسها اليوم. فالمشاركة الواعية والمسؤولة قد تكون الطريق الأفضل للحفاظ على الحقوق، وتعزيز الحضور الوطني، وبناء مستقبل يكون للكرد فيه دور فاعل في سوريا، لا مجرد موقع المتفرج أو المعارض من خارج مؤسساتها.

الكاتب

مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).