عاش السوريون خلال السنوات الأخيرة، حالة من الأسى الجماعي المفتوح على شكل تجربة معمّمة تسكن البيوت، الشوارع والأزقة، المدارس، والأسواق، ومخيمات النزوح. شهدوا القتل والاعتقال والاختفاء القسري، وامتدّ الأمر بهم إلى فقدانهم الأمان، والضياع الروحي، وزعزعة الثقة بأنفسهم وبالعالم. ومع كل هذه الخسائر، وسقوط النظام المجرم، من المؤكّد أنه حان الوقت لتفريغ هذا القهر أو تحويله إلى طاقة للشفاء.

من الواضح للجميع أن الأسى السوري الممتد على أرجاء البلاد تغيب عنه لغة جامعة لفهمه، فالسردية الوطنية التي من المفروض أن تضع إطاراً عاماً لفهم المأساة، تلاشت وسط روايات متناقضة. أصبح كل طرف يرى في نفسه الضحية الحصرية، وكل جماعة تحمل سرديتها الخاصة بها، وتتوجس من سرديات الآخرين. وهكذا، لم نشهد بعد أي محاولة جادة لصياغة ذاكرة وطنية تستوعب التعدد وتمنح الاعتراف المتبادل، إنّما استمر الخطاب العام في كثير من الأحيان في تقوية الاصطفافات، أو تبرير ما لا يمكن تبريره.

وسط هذا المشهد المعقد في سوريا الجديدة، علينا أن نعلم أن الانتقال من الأسى إلى التداوي ضرورة سياسية ومجتمعية. ولا يمكن لهذا النوع من التداوي أن يُفرض من خلال القوانين أو المراسيم أو المبادرات السياسية فقط، فالمصالحة الحقيقية تبدأ من القاعدة الشعبية، من العلاقات اليومية بين الأفراد، ومن الأحياء المدمّرة التي عادت إليها الحياة ببطء، وتُبنى بمواقف إنسانية بين أبناء الأعراق والأديان المختلفة في البلد الواحد في تفاصيل صغيرة: نظرة، اعتراف، دمعة، أو حتى سكوت متبادل لا يقوم على الإنكار.

في هذا السياق، يمكن للمبادرات الثقافية أن تضطلع بدور حيوي بوصفها حواضن للذاكرة، فالمسرح، والرواية، والأفلام الوثائقية، والموسيقا، قادرة على فتح منافذ للاستماع والتفكير، دون الإملاء على الناس ما يجب أن يقولوه أو يشعروا به. كما يمكن للمناهج التعليمية أن تُعلّم الأجيال المقبلة أن تفكّر فيما حدث، لا أن تردّد ما قيل لها إنه الحقيقة الوحيدة.

هنا تبرز أيضاً أهمية استلهام تجارب دول أخرى خاضت مسارات مشابهة، ففي تشيلي، بعد نهاية ديكتاتورية أوغوستو بينوشيه التي استمرت من 1973 إلى 1990، تم إنشاء اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة، المعروفة أيضاً باسم لجنة ريتّيغ (Comisión Nacional de Verdad y Reconciliación)، لجمع شهادات الضحايا وتوثيقها، لحفظ الذاكرة من النسيان أو التلاعب. لم تكن التجربة كاملة، لكن مجرد إنشاء أرشيف رسمي يعترف بالألم، ويُصغي للضحايا، مثّل خطوة نحو تحمّل المسؤولية المجتمعية.

أما في رواندا، فتقدّمت الدولة بخطوة أكثر قرباً من المجتمع، عبر برنامج (Mvura Nkuvure)، أي "أنا أداويك، وأنت تداويني". جاء هذا البرنامج بعد سنوات من انتهاء الإبادة الجماعية عام 1994، وهو يقوم على فكرة أن التداوي لا يتحقق إلا حين يجلس المتضررون والجناة السابقون وجهاً لوجه في حلقات محلية تقودها شخصيات من المجتمع نفسه، وليس القضاة. تضم كل مجموعة بين 10 و15 مشاركاً، يجتمعون أسبوعياً على مدى 15 جلسة، ويمرّون خلالها بست مراحل متدرجة تهدف إلى التعافي الجماعي بعد الإبادة، تبدأ بـمرحلة الأمان التي تُهيَّأ فيها بيئة نفسية واجتماعية آمنة للمشاركين، تليها مرحلة بناء الثقة لترميم العلاقات الممزقة بين الضحايا والجناة، ثم مرحلة العناية التي تُعزز فيها مشاعر الدعم والرعاية داخل المجموعة.

بعد ذلك تأتي مرحلة الاحترام لترسيخ قيمة الإنسان بغض النظر عن ماضيه، وصولاً إلى مرحلة التوجّه نحو حياة جديدة تُشجع على الانفصال العاطفي عن الماضي والانفتاح على المستقبل. وتبلغ الرحلة ذروتها في مرحلة الذكريات، حيث تتبادل الأطراف المقابلة، وجهاً لوجه، رواياتها واعترافاتها في جلسات يديرها أفراد من المجتمع، ما يفتح باباً للمصالحة على المستوى الإنساني العميق، ويمهّد لمساحة يمكن فيها للعيش المشترك أن يستعيد جزءاً من شرعيته.

أكثر من 64,000 شخص شاركوا في هذه الجلسات حتى الآن، بحسب تقارير وزارة الصحة الرواندية. وأظهرت الدراسات أن البرنامج أسهم في خفض معدلات الاكتئاب والانتحار، وبدأ يشكّل ركيزة أساسية في السياسات الوطنية للصحة النفسية.

لاشكّ أن قوة هذا البرنامج تكمن في فتح احتمالات توافقية، وإعادة رسم العلاقات بناءً على فهم إنساني متبادل. فلا تطالب هذه التجربة العلاجية الضحايا بالنسيان، ولا تبرّئ الجناة، لكنها تؤكّد بأن الجميع بحاجة إلى الإصغاء، وأن الصوت الواحد لا يمكنه احتكار الذاكرة، وهي تجربة يمكن أن تُترجم بطريقة معدّلة تخدم الخصوصية السورية من خلال تأسيس منصات للحكي المجتمعي، ومنابر للإصغاء غير المؤدلج، ومبادرات ثقافية تُعيد للناس لغتهم وسردياتهم وعلاقاتهم.

بالتأكيد لا يمكننا هنا أن نغفل عن التحديات البنيوية التي يمكن أن تعيق تطبيقها وسط الظروف السورية المحلية والإقليمية المعقدة، فالمساحات العامة التي تتيح حواراً آمناً ما زالت شبه معدومة في سوريا الجديدة، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمجتمعي ومحاولات احتكار السلطة من فئة معينة. كما لا بد من وضع تصور واضح حول من يمكن أن يقود هذه الحلقات المجتمعية: هل ستكون منظمات المجتمع المدني، أم مثقفين مستقلين، أم جهات دينية أو محلية تحظى بشرعية اجتماعية؟

لا يمكن أن يبقى الأسى السوري قدراً يلازمنا والأجيال القادمة، ولا يمكن تجاوزه بالوقت وحده، لأنّه يحتاج إلى بيئة هادئة لتفريغه، وإلى مجتمع لديه الاستعداد للإنصات. وهنا تبرز أهمية ما تُسميه الباحثة أليـنا وايمن (Alina Wyman) في كتابها "The Gift of Active Empathy"، الصادر 2016 عن جامعة نورث وسترن بـ"التعاطف النشط"، ذلك التعاطف الذي يُترجم إلى التزام، إلى مبادرات صغيرة تتراكم، إلى شجاعة في الإصغاء والتسامح.


مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).