في أواسط عام 2008، وبعد حربٍ أهلية بين الحكومة والمتمردين انتهت بنجاة الرئيس إدريس ديبي بطريقة عجيبة بعد مقتل المئات من التشاديين داخل العاصمة أنجمينا، خرجت منيرة ميتشالا إلى الضواحي وبدأت تنادي بالسلام والوحدة. غنّت: "تعالوا لينا، امرقوا لينا، لنبني بلدنا"، وأصدرت ألبومها الأول في سبتمبر 2008 وحمل عنوان "تعالوا لنا".

كانت تلك هي المرة الأولى التي يتعرّف فيها الجمهور التشادي عليها ويستمع إلى أغانيها، رغم أنّ نجمها بدأ يسطع قبل ذلك بعام حين فازت بجائزة "الاكتشاف" التي تنظّمها إذاعة فرنسا الدولية للمغنين الشباب. فازت بنسخة الجائزة لسنة 2007، وصادف أن المغني الكبير "ساليف كايتا" كان رئيس لجنة التحكيم في تلك السنة، ما ساعدها على الحصول على عقدها الأول بفضل تعليقات المغني المالي الكبير. ومن هناك بدأت جولتها الموسيقية الأولى.

ولدت منيرة خليل عليّو في التاسع عشر من سبتمبر سنة 1979 في أنجمينا. تقول عن بدايات حياتها:

"بعد الحرب الأهلية لسنة 1979 وبعد ولادتي بفترة قصيرة، هاجرتُ مع أسرتي إلى نيجيريا، ومنها انتقلنا إلى ألمانيا حيث بدأ والدي دراسة اللسانيات، وكان مهتمًّا بالأغاني التقليدية التي غنّتها الحكّامات – مغنيات يقدمن التراث – بلغتنا (بيديا)، وهي لغة أهلي في منطقة قيرا وسط تشاد. جدتي كانت من الحكّامات أيضًا، تغني في المناسبات الاجتماعية. تعرّفت إلى الموسيقى بفضل سماع والدي للأغاني التقليدية، ثم جاء التلفزيون وبدأت أستمع إلى ويتني هيوستن ومايكل جاكسون وغيرهما. تأثرت بمريم ماكيبا وأنجلِيك كيدجو حين شاهدتهما على التلفزيون في ألمانيا. بقيت في ألمانيا أتوق إلى رؤية بلادي، إلى أن حصل والدي على الدكتوراه سنة 1987، فعُدنا إلى نيجيريا حيث بدأ يدرّس في جامعة ميدوغري. لم نتمكّن من العودة إلى بلادنا لأسباب سياسية، وحصل ذلك في نهايات سنة 1991، وأخيرًا رأيتُ البلاد التي ظلّ والدي يحدثنا عنها منذ سنوات."

ألبومها الأول حقّق أرقامًا لم تشهدها مغنية في وسط إفريقيا، فواصلت الغناء والتجوال في إفريقيا وأوروبا حتى فازت بجائزة أفضل فنانة في وسط إفريقيا في جوائز كورا أوارد في أبيدجان عاصمة ساحل العاج سنة 2012، ثم جائزة أفضل فنانة في إفريقيا الفرنكفونية في جنوب إفريقيا.

حين تواصلتُ معها من أجل مقابلة صحفية رحّبت بالفكرة بحماس قائلة إنها ستشعر بالسعادة لو كُتب عنها بالعربية. قالت لي: "تعال إلى وزارة العدل في ساعة الاستراحة وستجدني." منتصف النهار وصلت. التقيت بها في قسم الموارد البشرية. ضغطتُ على يدها بقوة كما أفعل مع الرجال ومع الذين ينالون إعجابي. توترت. قالت: "فلنذهب إلى المكتبة لأنها أكثر هدوءًا." ونحن في الطريق بدت لي أصغر من عمرها وأخبرتها بذلك. صعدنا إلى القسم التشريعي وهناك، داخل مكتبة الوزارة، جلسنا قبالة بعضنا. ظلّت مطرقة معظم الوقت، ثم قالت:

"في الحقيقة أنا كاتبة ضبط لدى المحكمة. حين قررت الغناء بعد حصولي على الشهادة الثانوية وافق أبي بشرط ألّا أتوقف عن دراسة الجامعة، ولذا تخرجت من المدرسة الوطنية للإدارة وأعمل في الوزارة منذ عام 2005."

هكذا بدأت؛ بتذكيري بأنها موظفة أيضًا رغم شهرتها كمغنية وناشطة حقوقية. ففي عام 2018 عملت منيرة مع برنامج جمعية World Vision كسفيرة، ونظّمت لقاءات توعوية ودورات في قضايا تعليم المرأة ومحاربة الزواج المبكر والختان، وحقوق المرأة والبيئة. وهي التي جعلت ألبومها الثاني يحمل عنوان "شيلي حريتك" في إشارة واضحة إلى الفتيات في بلدٍ تعاني فيه النساء من عنفٍ جنسي ومنزلي، ونسبة كبيرة من الأمية. في ذلك الألبوم تناولت منيرة جميع القضايا التي تعاني منها المرأة في تشاد، وطالبت المرأة بالاستقلال وأخذ حريتها بيدها. حقّق الألبوم نجاحًا باهرًا، واعتُبرت منيرة الفنانة الأكثر استماعًا في البلاد، حيث تم تكريمها من قبل رئيس الجمهورية.

من يراها واقفة على المسرح يغني يظنّها امرأة جريئة وصاحبة شجاعة أدبية، لكن حين تلتقي بها تكتشف العكس؛ فهي خجولة جدًا لدرجة تدفعك للاعتقاد أن لها شخصيتين مختلفتين. تجيب على هذا التساؤل بابتسامة خجلى: "أعتذر لك، فأنا خجولة حين أكون بعيدة عن المسرح. ومن هنا جاء لقبي: النمرة الهادئة."

توقفت منيرة عن الغناء منذ بضع سنوات. لم نسمع لها أغنية ولم يصدر لها ألبوم جديد. ولمّا سألتها عن توقفها عن الغناء لفترة من الزمن بين 2016 و2020، وما إذا كان زواجها السبب، قالت لي:

"تخيل أنني، التي دافعت عن قضايا النساء والفتيات طوال مسيرتي، وجدتُ مشاكل زوجية لم أتمكّن من حلها إلا بعد صعوبة وعناء وسنوات من المعارك والجلسات في قاعات المحاكم. كنتُ زوجة تقليدية في بيتي أقوم بكل واجباتي، ولذا لم يمنعني الزواج من الغناء، وإنما المشاكل الأسرية وأيضًا مشاكل صحية أجريت بسببها عمليتين."

أخيرًا، في عام 2021، تمكنت منيرة من حل مشاكلها الخاصة. وتضيف باستغراب:

"لقد دعمني والداي بشكل مذهل، وسمحا لي بالصعود إلى المسارح في بلدٍ محافظ مثل تشاد وأنا في الثانوية. ليس من السهل الوقوف فوق المسرح والغناء أو التمثيل في بلادٍ لا وجود فيها لمدارس للمسرح أو الموسيقى. تعلمت كل شيء بمفردي رغم شخصيتي الخجولة. بدأت بالمسرح وهو الذي قادني إلى الظهور في أعمالٍ سينمائية. لم أعتقد أن شخصًا مقربًا مني سيكون عقبة أمامي، بعد أن قدّم لي والدَي كل الدعم والتشجيع لأنهما يحبان تشاد بشكل جنوني، لدرجة أنهما كانا يرددان: (حين نعود إلى بلادنا) أمام أي تساؤل أطرحه في طفولتي الألمانية. لكني عانيت كثيرًا من أجل الطلاق من طليقي وتعلمت الكثير. تعثرت مسيرتي لفترة، لكني عائدة وبقوة، وفي بداية العام المقبل سيصدر ألبوم جديد وسأقوم بجولة إفريقية."

غنّت منيرة عن قضايا النساء بشكل خاص، وقبلها لم تعرف البلاد فنانة بشهرتها. تقول:

"موسيقاي تعبير عمّا عشته وسمعته وشاهدته. لقد تحدثت عن حياتي وعن حياة النساء في تشاد لكن الناس لم ينتبهوا. حتى المشاكل الزوجية التي عانيتها تناولتها دون أن يلتفت إليها أحد. أما أغنيتي (دارنا) التي جاءت في ألبومي الأول فهي عن حب الوطن، لفرط ما سمعت مفردة (دارنا) على لسان والدي حين كنا في ألمانيا ونيجيريا."

منيرة ميتشالا أو "النمرة الهادئة" تُعدّ المغنية الأبرز في جمهورية تشاد. فهي إلى جانب مسيرتها المميزة في الموسيقى وانتشار أغانيها، شاركت في مسرحيات وأفلام، أشهرها فيلم أبونا ودارات: سنوات الجفاف للمخرج التشادي الكبير محمد صالح هارون. تقول بخصوص لقبها:

"ميتـشالا بلغة البيديا تعني (نمرة)، لأني حين أصعد إلى المسرح لا شيء يمنعني من الهجوم. أغني وأغني بلا كلل ولا وجل. ولمّا لاحظ الزملاء خجلي وشخصيتي الهادئة خارج المسرح أطلقوا عليّ لقب: النمرة الهادئة."

تكمن ميزة منيرة في أصالتها؛ فمن بلد غير معروف على الساحة الموسيقية أتت منيرة ميتشالا التي استفادت من اهتمام والدها باللغات الكثيرة في تشاد لكونه متخصصًا في اللسانيات، وغنّت مستخدمة العديد من اللغات التشادية، على رأسها العربية الدارجة، إضافة إلى لغات قبائل الحجراي والبلالة والمدقو. توقفت عند الأغاني التقليدية والأهازيج القبلية ووظفتها في موسيقاها، كما أعادت تقديم أغاني قديمة مثل أغنية "آدمي.. شاي مرة" التي تعود إلى منطقتها في وسط تشاد.

ولأنها فنانة تعتبر نفسها ملتزمة، غنّت عن "الحرية" و"استقلال المرأة" وضرورة النضال من أجل كسب الحرية. غنّت فوق جبال قيرا، وبين الأكواخ في كينشاسا، وقرب حديقة للحيوانات في ساحل العاج، وعلى جزيرة في إقليم النورماندي في فرنسا.


مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).