الصورة: ملعب حلب الدولي

لطالما كانت الرياضة السورية على مدى عقود نشاطاً اجتماعياً أو ميداناً للمنافسة، لكنها تحوّلت في زمن النظام السابق إلى أداة بيد السلطة الحاكمة، تستخدمها للدعاية وتلميع الصورة، بعيداً عن أهدفها الحقيقة في تربية جيل صحي ومبدع يؤمن بروح المنافسة الشريفة. فنتج عن سوء الإدارة والإهمال إفراغ ممنهج للرياضة من جوهرها، وإفقادها قدرتها على أن تكون فضاءً للانتماء والفرح والهوية الوطنية.

بدأت سيطرة النظام على الرياضة بقرار تأسيس الاتحاد الرياضي العام عام 1971، وربطه بـمكتب الشبيبة والرياضة القطري في حزب البعث، فأصبحت الرياضة السورية خاضعة بالكامل لسلطة الحزب، تحت شعار "القيادة الحكيمة ترعى الشباب"، فعمد الاتحاد الوليد إلى تأميم الأندية وتجريدها من استقلالها، وتحوّلت الرياضة إلى أداة تعبئة أيديولوجية تُستخدم لتلقين الولاء السياسي، وليس لتطوير الكفاءة البدنية أو الروح الجماعية، وأصبحت المناصب الرياضية تُمنح على أساس الولاء لا الخبرة، فحوصرت المواهب بين بيروقراطية فاسدة ومؤسسة حزبية ثقيلة، حتى تآكلت البنية الرياضية من الداخل.

وفي السنة نفسها، أصدرت القيادة قراراً يقضي بتغيير أسماء الأندية الرياضية في سوريا، بهدف تفكيك الروابط المحلية والعاطفية بين الأندية وجماهيرها، نظراً لأن الأندية تعبّر عن هويات شعبية وجماهيرية متجذرة، على غرار أندية بردى والأهلي والشباب وقاسيون وغيرها، لكنها فقدت فجأة أسماءها التاريخية، واستُبدلت بتسميات “وطنية” عامة تخدم الخطاب البعثي الجديد، مثل الثورة والنضال والمجد والوحدة.

جاء هذا القرار في إطار سياسة مركزية أراد بها النظام أن ينزع عن الرياضة طابعها الأهلي المستقل، ويحوّلها إلى مؤسسات تابعة للحزب، بحيث لا تمثل الأندية أحياءها ومدنها بقدر ما أصبحت واجهات لشعارات تُرفع فيها صور القائد وشعارات "الرياضة في خدمة الوطن والحزب"، وبالتالي أُفرغت الملاعب من معناها الحقيقي، وتراجع الانتماء الجماهيري ليُستبدل بولاء مصطنع مفروض من "فوق".

أما اليوم، ومع انبثاق أملٍ بولادة نظام جديد يحتضن الجميع، تمثل إعادة بناء الرياضة السورية ضرورة وطنية وواجباً يقع على عاتق الدولة، فالرياضة قادرة على أن تكون قوة ناعمة للتعافي والمصالحة، ومجالاً لتوحيد السوريين بعد سنوات الانقسام.

لا شك أن المهمة ليست سهلة، ويجب أن تُتخذ الكثير من الخطوات الجادّة التي من شأنها استعادة الحضور الرياضي والإنساني للبلد المنهك والسير في مسار إصلاحي حقيقي يتمثل في تحرير الرياضة من سيطرة الطرف الواحد، وإعادة تأسيس الاتحاد الرياضي العام كهيئة مدنية مستقلة، يديرها أهل الاختصاص، وتخضع للمساءلة.

كما يجب إحياء الرياضة المدرسية والجامعية، باعتبارها النواة الأولى لاكتشاف المواهب وصناعة الأبطال، وتطوير البنية التحتية بإشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني، واعتبار الرياضة جزءاً من إعادة الإعمار الثقافي والإنساني، وتمكين المرأة رياضياً وتشجيعها على ممارسة مختلف الرياضات الفردية والجماعية وتنظيم برامج الرعاية النسائية، ودعم البرامج المخصصة للأطفال والشباب في المدن السورية ومخيمات اللجوء.

أصدرت وزارة الشباب والرياضة في الحكومة الانتقالية في شهر آب/أغسطس الماضي قراراً يتيح للأندية تغيير أسمائها وفق آلية حددها القرار، وربما يكون لهذا التوجّه أثر إيجابي لإعادة الاعتبار للأندية بأسمائها الأصلية وهوياتها المجتمعية، لأن في ذلك استعادة لذاكرة المدن وروحها، ولعلّ هذه الخطوة تكون الأولى في سلسلة من الإجراءات الأخرى التي نأمل أن تساهم في تغيير الصورة السابقة عن واقع الرياضة السورية، وتتيح تمثيل سوريا الجديدة بصورة حضارية تعكس طموح جيلٍ ينتظر الفرصة كي يتألق.

أضعف النظام السابق الرياضة لأنه لم يرَ فيها سوى وسيلة دعائية، ونحن اليوم بحاجة إلى تحويل الرياضة إلى لغةٍ للسلام، ومنصةٍ للمواطنة، ومساحةٍ للعدالة والتكافؤ، يكون الاختيار فيها على أساس الكفاءة والمهارة والموهبة، حتى يصبح الفوز انتصاراً لجميع السوريين على اختلافهم، وبوابة وطنية لأمة تنهض من تحت الركام.

مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية