تجاوزت الرياضة في سوريا منذ ثلاثينيات القرن الماضي دورها كمضمار للتنافس البدني، وتحوّلت منذ ولادتها الحديثة إلى مشروع سياسي بامتياز. ففي تلك الحقبة الحساسة من تاريخ سوريا تحت الانتداب الفرنسي، أدركت النخبة الوطنية أن الطريق إلى الاستقلال لا يمرّ فقط عبر الدبلوماسية وإنما عبر صياغة "جسد وطني" جديد يثبت للعالم أن السوريين أمة حية ومنضبطة وتستحق السيادة.
بدأ التدخل السياسي في الرياضة من خلال تكريس مفهوم "النظام"، ففي الوقت الذي كان فيه السوريون يسعون لانتزاع اعتراف دولي بدولتهم، روّجت الصحافة القومية لفكرة أن الانضباط في الملاعب هو صورة مصغرة للانضباط السياسي المطلوب. وكان يُنظر إلى الفوضى الرياضية كخطر قومي قد يمنح الاستعمار الفرنسي مبرراً للبقاء بحجة عدم أهلية الشعب لإدارة شؤونه. وبذلك، تحولت ملاعب كرة القدم وحلبات الملاكمة إلى "منصات سياسية" لاستعراض الحداثة السورية أمام المحافل الدولية.
كما استُخدمت الرياضة كأداة للسيطرة الاجتماعية وترسيخ سلطة النخبة البرجوازية. فقد عملت الأنشطة البدنية والحركات الكشفية على صياغة هوية ذكورية محددة تربط بين "الجسد القوي" و"الأمة القوية". ومع اقتراب الاستقلال، انتقلت الرياضة من المبادرات الأهلية إلى "المأسسة الحكومية"، وبدأ السياسيون يتسابقون على رعاية البطولات وتقديم الكؤوس، وتحولت اللياقة البدنية إلى "واجب وطني" تشرف عليه الدولة بشكل مباشر. هذا التداخل المبكر بين السلطة والملعب وضع اللبنات الأولى لما سنشهده لاحقاً في تاريخ سوريا المعاصر، حيث أصبحت الرياضة وسيلة لحشد الجماهير، وأداة لتعزيز شرعية النظام السياسي، وميداناً لإثبات الوجود والهوية في مواجهة الآخر.
شهدت فترة الانقلابات في سوريا (1949-1963) ما يمكن وصفه عسكرة للرياضة، حيث تدخلت المؤسسة العسكرية مباشرةً في الشأن الرياضي لتعزيز حضورها الشعبي وفرض وجودها على الناس. فتأسس نادي الشام الرياضي (أو نادي الجيش العربي) عام 1947 ليكون الذراع الرياضي للقوات المسلحة، واستفاد من "الامتيازات السياسية" مثل استقدام أفضل لاعبي الأندية الأخرى لقضاء خدمتهم الإلزامية في صفوفه، مما منحه تفوقاً غير عادل مبنياً على القوة المؤسساتية وليس على الكفاءة الإدارية.
فضلاً عن ذلك، استخدم قادة الانقلابات المباريات الرياضية في الخمسينيات كمنصات للظهور العام وجذب الولاءات الشبابية والطلابية.
أما في فترة الوحدة بين سوريا ومصر (1958-1961)، خضعت الرياضة السورية للنموذج المصري المركزي ضمن إطار قومي عمل على دمج الاتحادات الرياضية السورية مع المصرية تحت إشراف مركزي في القاهرة، وهدفت الأنشطة الرياضية حينها إلى تذويب الهوية المحلية السورية في "الهوية القومية العربية" الشاملة، واستخدمت المباريات الودية بين أندية الإقليمين الشمالي والجنوبي لتعزيز الروابط السياسية بينهما.
شهدت هذه الفترة غياباً شبه تام للرياضيين السوريين في المنتخبات الوطنية التابعة للجمهورية العربية المتحدة، لا سيما في كرة القدم، حيث غاب لاعبو إقليم الشمال تقريباً عن جميع مباريات المنتخب في البطولة العربية الثالثة المقامة في الدار البيضاء عام 1961، على الرغم من الأسماء السورية المميزة في ذلك الوقت من أمثال يحيى حجار وموسى شماس وفيليب الشايب.
تأسس الاتحاد الرياضي العام في سوريا عام 1971، في خطوة اتخذها حزب البعث لمأسسة سيطرته على الرياضة، مما شكّل نقطة تحول كبرى عززت التبعية الحزبية للاتحاد باعتباره منظمة شعبية تابعة لحزب البعث، ونص نظامه الداخلي صراحة على مهام مثل "حماية الثورة" و"بناء المجتمع العربي الاشتراكي".
شهدت تلك الفترة تدخلات مباشرة في النتائج والإدارة، وتذكر بعض المصادر التاريخية حوادث عديدة مثل توبيخ محافظ حلب لرئيس نادي الاتحاد الحلبي بسبب "حماس الجماهير الزائد" الذي قد يتحول لمظاهرة سياسية، مما أدى لاحقاً لتغيير معايير الفوز لتصبح مبنية على "الولاء" وضمان هدوء المدرجات.
لم يكتف نظام البعث بذلك، حيث استخدم الرياضة كأداة لتبييض صورة القائد ونظامه، وواجهة دولية لتحسين صورته بعد الأزمات السياسية في الثمانينيات والتسعينيات. حيث استُثمرت دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط التي أقيمت في اللاذقية عام 1987 لإظهار استقرار البلاد وقوة الدولة بعد أحداث الثمانينيات الدامية.
فضلاً عن ذلك، انتشر النفاق الرياضي السياسي، وصار من المعتاد أن نرى إهداء الفوز والبطولات الرياضية للقادة السياسيين، كإهداء السباحين أو الأبطال الأولمبيين فوزهم لـ "الحركة التصحيحية" و"القائد"، وهو ما حوّل الإنجاز الرياضي من تفوق بدني إلى "فعل ولاء سياسي". ومثال ذلك ما تعرض له السباح السوري محمود خميس خلال إجراء مقابلة معه على التلفزيون الرسمي بعد فوزه بسباق بحيرة لبنو التشيكية لمسافة 25 كيلومتراً.
وبعد قيام الثورة عام 2011، اقتربت سوريا من التجميد الكامل للنشاط الكروي عام 2012 بسبب تدخل الاتحاد الرياضي العام في شؤون اتحاد كرة القدم، ومحاولة فرض تعيينات وإقالات لا تتماشى مع استقلالية الاتحادات التي ينص عليها نظام الاتحاد الدولي لكرة القدم. لكن السلطات الرياضية السورية تراجعت لتجنب سيناريو الحرمان الشامل الذي كان سيمنع الأندية والمنتخبات من أي ظهور خارجي، بعدما تلقّت تحذيرات شديدة اللهجة من الفيفا والاتحاد الآسيوي.
تحولت الملاعب الرياضية في تلك الفترة إلى ساحات حقيقية للصراع، حيث تم تحويل عدة منشآت رياضية كبرى (مثل ملعب درعا وملعب حلب) إلى مراكز اعتقال ومقرات عسكرية، مما أدى لتدمير البنية التحتية الرياضية وتوقف النشاط الرسمي لسنوات. وأدى الانقسام السياسي الحاصل في البلاد إلى ظهور اتحادات رياضية موازية تابعة للمعارضة في الخارج والمناطق الخارجة عن سيطرة النظام السابق، مما جعل الرياضي السوري مضطراً لاتخاذ موقف سياسي ليتمكن من المشاركة دولياً.
ختاماً، إن استعراض تاريخ الرياضة السورية يكشف عن مفارقة مؤلمة، فبينما كان يُفترض بالملعب أن يكون فضاءً للحرية والمنافسة الشريفة، ظل لعقود طويلة أسيراً للأجندات السياسية التي حولت الرياضي إلى "جندي" والمدرجات إلى "منصات هتاف". ومع ذلك، فإن هذا التاريخ الحافل بالتدخلات لا ينبغي أن يكون قدراً محتوماً، حيث يكمن الأمل اليوم في جيل جديد من الرياضيين والجماهير الذين أدركوا، من رحم المعاناة والشتات، أن قيمة الرياضة الحقيقية تكمن في استقلاليتها.
إن التطلع لمستقبل جديد يتطلب فك الارتباط بين "القوة البدنية" و"الأيديولوجيا"، وإعادة الرياضة إلى كنف المجتمع والموهبة بعيداً عن مكاتب المسؤولين ومخططات الحشد. ففي الوقت الذي تتعافى فيه الشعوب، يظل الحلم قائماً برؤية ملاعب سورية تُدار بعقلية الإنجاز لا الولاء، وبصافرة عادلة لا تخضع لإملاءات السلطة، ليعود الملعب مجدداً مكاناً يجمع السوريين تحت راية الموهبة وحدها، بعيداً عن صراعات السياسة وضجيجها.




0 تعليقات