تتويج المنتخب السوري 2023

بداية متواضعة ونهاية مشرّفة

حين خسرت ناشئات سوريا مباراتهن الافتتاحية في بطولة غرب آسيا الأولى عام 2018 بخمسة عشر هدفاً دون مقابل أمام الأردن، لم يكن أحد يتخيّل أن هذا المنتخب ذاته سيرفع الكأس يوماً، ثم يعود ليكرر الإنجاز على أرض أردنية مجدداً في يوليو 2026، لكن هذا بالضبط ما حدث، وهذه هي قصة ست نسخ من التعلم والصمود والتتويج.

2018: صعوبة البدايات 

أُقيمت النسخة الأولى من البطولة في دبي، بمشاركة ستة منتخبات، حيث دخل المنتخب السوري التجربة لأول مرة، وخرج منها من الدور الأول بعد ثلاث خسارات متتالية أمام الأردن والإمارات ولبنان، تلقى خلالها 20 هدفاً وسجل هدفاً يتيماً على الإمارات. وعلى الرغم من أن تلك المشاركة كانت عصيبة، إلا أنها منحت السوريات أول احتكاك جدي بمستوى المنافسة الإقليمية، في درس قاسٍ كان لا بدّ منه.

2019: خطوة للأمام

في النسخة الثانية التي أُقيمت في عمّان، بدا المنتخب السوري مختلفاً، حيث استهل مبارياته بالتعادل سلباً أمام الأردن دون أهداف، ثم تمكّن من تحقيقه فوزه التاريخي الأول في البطولة على حساب فلسطين بهدف وحيد سجلته تالا نور الدين، مما شكّل مؤشراً واضحاً على تطور الفريق ومساره التصاعدي.

جاءت الخسارة في المباراة الثالثة أمام لبنان بسبعة أهداف كتذكير بالفجوة الموجودة، وفارق الإمكانيات والتجربة، والحاجة إلى مزيد من الجهد والعرق في سبيل تطوير المنتخب وتسخير الإمكانيات اللازمة للارتقاء بمستواه حتى يقارع الفرق الإقليمية.

2022: غياب قسري

لم يشارك المنتخب السوري في النسخة الثالثة التي أُقيمت في الأردن، وبقي المقعد السوري فارغاً في تلك البطولة.

2023: العود أحمدُ 

عادت الناشئات السوريات في النسخة الرابعة وهن يحملن طموحاً مختلفاً، فبدأن البطولة بفوز كبير على العراق برباعية نظيفة، ثم تعادلن مع لبنان والأردن في دور المجموعات، قبل أن يجدن أنفسهن في نهائي أمام الأردن ذاته الذي أذاقهن خسارة بخمسة عشر هدفاً في الدورة الأولى من البطولة.

هذه المرة كانت الكفة مختلفة، حيث استطاعت ناشئات سوريا الفوز بهدف وحيد سجلته آية محمد وكان كافياً للتتويج، وحين جاءت صافرة الحكم إيذاناً بانتهاء المباراة، كانت تلك الخسارة القديمة قد تحوّلت إلى ذاكرة بعيدة.

خمس سنوات من العمل الصامت أفضت إلى هذه اللحظة، ونالت اللاعبة مي الجاني جائزة أفضل لاعبة في البطولة، لتضع اسماً سورياً في سجل التكريم الفردي للمرة الأولى.

2025: الوصافة بكرامة

في النسخة الخامسة على الأراضي السعودية، أظهر المنتخب السوري نضجاً تكتيكياً واضحاً. فبعد خسارة مباراة الافتتاح أمام لبنان بهدفين نظيفين، جاء الفوز على فلسطين بستة أهداف ليعيد الثقة، ثم جاء الفوز على الأردن في نصف النهائي بركلات الترجيح 7-6 في مشهد استثنائي من الأعصاب الفولاذية.

وفي النهائي، وقفت ناشئات سوريا أمام لبنان المتطور، وخسرن بأربعة أهداف دون مقابل، لكن الوصول إلى النهائي في حد ذاته كان شهادة على التطور المستمر.

2026: البطولة مجدداً

جاءت النسخة السادسة في الزرقاء الأردنية الأعظم في تاريخ هذا المنتخب الناشئ، حيث حقق صدارة المجموعة بثلاثة انتصارات متتالية لأول مرة في تاريخه، من بينها ثمانية أهداف في شباك الإمارات، وفوز مثير على لبنان في الدقيقة 87 بكرة ثابتة متقنة من بيان جمعة عطو، ثم نصف النهائي أمام فلسطين والتأهل بركلات الترجيح 6-5.

أما النهائي فكان حكاية كاملة، حيث تأخرت السوريات بهدفين في الشوط الأول، لكنهن عُدن في الشوط الثاني بهدف في الدقيقة 69، ثم تعادل في الدقيقة الثانية من الوقت الإضافي على يد بيان جمعة عطو، ثم ركلات الترجيح التي حسمتها السوريات 4-3، بفضل تألق الحارسة ميديا حسين، ليتوجن باللقب الثاني في تاريخهن.

حصدت الحارسة ميديا حسين جائزة أفضل حارسة مرمى، فيما فازت ماسة مينا، صاحبة السوبر هاتريك أمام الإمارات، بلقب أفضل لاعبة في البطولة.

كيف نحافظ على هذا المنتخب؟

يقال إن الوصول للقمة أسهل من الحفاظ عليها، وينبغي ألا نكتفي بالاحتفاء بهذا الإنجاز، فالسؤال الأصعب الآن يتمحور حول كيفية ضمان استمرار هذا الجيل واعتباره نقطة انطلاق إلى ما هو أكبر.

يجب في البداية الحفاظ على الكادر التدريبي، وتوفير جميع الإمكانيات اللازمة للبناء على هذا الإنجاز وتوفير المعسكرات الداخلية والخارجية اللازمة، كما يجب الحفاظ على أبرز نجمات المنتخب مثل ماسة مينا وبيان جمعة عطو وتسنيم قطيش والقائدة أرين أسعد، لأنهن يشكّلن عمود الفريق، والاستثمار في رعايتهن على مستوى الأندية بقدر ما هو على مستوى المنتخب أمر بالغ الأهمية.

لا يخفى على أحد أن عمر الناشئات في هذه الفئة قصير، وبالتالي سيتجاوزن السن القانوني قريباً، ويجب علينا البدء بالتخطيط لدمجهن في منتخب الفئة العمرية التالية ضمن خطة عملية ورياضية فعّالة. ومن ناحية أخرى، يشكل الاحتفاء الإعلامي والمجتمعي بهذا النجاح النسائي رواية ممتعة يجب أن تعرفها البنت السورية الصغيرة، لترى صبايا مثلها رفعن كأساً في الزرقاء، وأصبحن حديث القاصي والداني، مما يزيد من إيمانهن بإمكانية تحقيق الحلم، واعتلاء منصات التتويج.

خاتمة

الكأسان المرفوعتان في عمّان والزرقاء تحملان معنىً يتجاوز الإنجاز الرياضي، فهما دليل على أن التراكم الحقيقي ممكن، وأن منتخباً خسر بخمسة عشر هدفاً قادر على رفع الكأس حين تتوفر له البيئة والصبر والعمل الجاد. غير أن هذا الإنجاز يضع المؤسسة الرياضية السورية أمام اختبار من نوع مختلف: هل ستكون على قدر ما فعلته هؤلاء الصبايا على أرض الملعب؟ الجواب على هذا السؤال هو ما سيحدد إذا كانت بطولة الزرقاء بداية فصل جديد، أو مجرد لمعة في سجل طويل من الفرص الضائعة.

      تتويج المنتخب السوري 2026


مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية