في زمن تتراجع فيه فرص الرياضيين السوريين بسبب الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، تبرز السباحة إنانا سليمان كنموذج استثنائي للإصرار والالتزام والشغف. فقد استطاعت رغم التحديات أن ترفع اسم سورية في محافل إقليمية ودولية، محققةً مجموعة من الإنجازات التي صنعت منها إحدى أكثر الرياضيات حضوراً وتأثيراً في السباحة السورية المعاصرة. وفي هذا الحوار، نسلط الضوء على ألقابها وميدالياتها، ونقترب من مسيرتها ونكشف تفاصيل رحلتها، بين التدريب المكثف، والدعم العائلي، وأحلام تتجاوز خط النهاية.
شاركت إنانا في بطولة العرب للسباحة في أبوظبي عام 2021، وحققت ثلاث ميداليات ذهبية وفضية، ثم عادت للمشاركة في نسخة 2023 من البطولة ذاتها فحققت أربع ميداليات ذهبية. كما حققت برونزية في ألعاب البريكس في كازان الروسية 2024، وذهبية سباق 400 متر في البطولة العربية المقامة في المغرب 2025، وبرونزية دورة ألعاب التضامن الإسلامي 2025.
تحمل الرقم القياسي السوري في 14 سباق منها 200 متر ظهر، و200 متر فراشة، و400 متر متنوع، و1500 متر حرة، 800 متر حرة، و200 متنوع وغيرها، كما تحمل 3 أرقام عربية قياسية في سباقات 400 متر و800 متر و1500 متر سباحة حرة. حققت المركز الرابع في سلسلة كأس العالم للسباحة في شنغهاي الصينية عام 2024 أمام نخبة من السبّاحات على مستوى العالم.
كيف تعرّفين نفسك للقرّاء بعيداً عن سباقات السباحة والميداليات؟
اسمي إنانا سليمان، سبّاحة سورية ضمن المنتخب الوطني وطالبة صيدلة في جامعة دمشق. تشغل الحياة الدراسية والتمارين الرياضية جلّ وقتي واهتماماتي على الإطلاق، وأحاول دائماً تحقيق التوازن بينهما. أحب القراءة والمطالعة واستكشاف أشياء جديدة في مجالات الحياة المختلفة.
كيف كانت بدايتك مع عالم السباحة؟ ومن كان الداعم الأكبر لك في تلك المرحلة؟
نشأت في عائلة تعشق السباحة، فإنا ابنة البطلة العالمية لبنى معلّا التي حققت العديد من الأرقام والإنجازات على الصعيدين الإقليمي والدولي. كانت والدتي السبب الرئيسي لعشقي للسباحة، وهي الداعم الأكبر في مسيرتي، حيث بدأت بتعليمي السباحة حتى قبل أن أستطيع الكلام أو المشي.
لا شك أن الرياضيين يمرّون بمراحل وفترات صعبة تؤثر على مسيرتهم الرياضية، ما أصعب مرحلة مررتِ بها خلال مسيرتك الرياضية؟ وكيف تجاوزتها؟
على غرار مراحل التألق، يمرّ جميع الرياضيين المحترفين بمراحل إحباط لأسباب مختلفة. أما بالنسبة لي، فقد كانت الحياة الدراسية هي السبب الرئيسي الذي حرمني من المشاركة في العديد من البطولات، وأذكر أنني لم أستطع المشاركة في الدورة العربية للسباحة في الجزائر بسبب تزامن البطولة مع امتحانات السنة التحضيرية للكليات الطبية في سوريا. كما أن الظروف الصعبة في سوريا أثّرت على مسيرتي من حيث إمكانية التدريب والمشاركات الخارجية، إلا أنني لطالما آمنتُ بضرورة التأقلم والتكيّف في سبيل تحقيق الهدف.
كيف يبدو يومك التدريبي المعتاد؟ وكم عدد الساعات التي تقضينها في التدريب؟
أتدرّب 6 أيام في الأسبوع، على مرحلتين من 3 أيام لكل مرحلة. في المرحلة الأولى، أسبح تقريباً من 8 إلى 10 كلم على جلستين، ثم أتدرب على تمرين سباحة واحد في المرحلة الثانية لمسافة 6-7 كلم، كما أتدرب لجلسة واحدة تمتد لساعتين تقريباً في النادي الرياضي (الجيم) لتقوية العضلات والحفاظ على الكتلة العضلية.
ما الفارق بين التدريب داخل سوريا وخارجها (إن وُجد)؟ وما أبرز التحديات؟
كما سبق أن ذكرتُ، الظروف في سوريا ليست سهلة على الإطلاق، وتدفع بالكثيرين إلى الركون لليأس والإحباط. يتوجب عليّ ممارسة التدريب في المياه الباردة، ولهذا تأثير كبير على الأداء الجسماني الحراري والحركي، كما أن غياب المسابح الصالحة للتدريب يمثل تحدياً كبيراً أمام السبّاحين عموماً. أما التدريب خارج سوريا، فإن وجود عدد كبير من اللاعبين والروح الرياضية الموجودة فيما بينهم يمثل إضافة مفيدة على التدريب، فالاحتكاك بسبّاحين من مستوى متقارب أو أعلى يولّد إحساساً بالمنافسة ويساهم في تطوير المهارات بصورة أسرع، فضلاً عن وجود المسابح والمعدات المناسبة والنوادي الرياضية، وقربها من مكان الإقامة، على عكس ما يحدث في سوريا، حيث أضطر للتنقل لساعات للوصول إلى مكان التدريب غير الاحترافي أصلاً.
هل ترين أن السباحة في سوريا تحصل على اهتمامٍ كافٍ من المؤسسات الرياضية؟
ليس بالإمكان عزل ظروف البلاد عن مستوى الاهتمام بالرياضيين عموماً، لكنني أتمنى لو توفرت أماكن التدريب والمسابح المناسبة، أو تخصيص ساعات معينة يمكن لسباحي المنتخب السوري استغلالها. فكما قلت سابقاً، أحتاج لساعات للتدريب بسبب اختصاصي في المسافات المتوسطة والطويلة، ولا يكفيني تخصيص ساعتين مثلاً في اليوم للتدريب، مما يعيق تطوري. أتمنى من المؤسسة الرياضية مراعاة هذا الأمر وتأمين أماكن مناسبة للتدريب بحسب احتياجات الرياضي.
نعلم أن الرياضة السورية تمر بفترة صعبة لا يلقى فيها الرياضيون ما يكفي من الدعم والرعاية، لا سيما في ظل الظروف الحالية التي تمر بها البلاد، ما نوع الدعم الذي يحتاجه الرياضي السوري اليوم ليصل إلى العالمية؟
هذا صحيح، وهذه الفترة الصعبة تؤثر على جميع الرياضات، ولكنني سأتحدث عن السباحة. إلى جانب ما ذكرتُه من تأمين المسابح، يجب أن تكون حرارة المياه مناسبة ومطابقة للمواصفات العالمية، فضلاً عن كثافة المشاركات الخارجية التي تساهم في صقل الموهبة وتطويرها في ظل الاحتكاك بالسبّاحين الآخرين، فيما يسمى التدريب بالمنافسة. إضافة لذلك، تساهم كثافة المشاركات الخارجية، لست مرات على الأقل سنوياً، في توزيع الحمل التدريبي حسب البطولة وقياس قدرة التحمل وبالنتيجة زيادة فرصة الحصول على ميداليات في هذه المشاركات، ولذلك أتمنى الحصول على دعم أكبر في مسألة المشاركات الخارجية.
ما رأيك بواقع السباحة النسائية في سوريا والمنطقة العربية؟
لدينا عدد قليل من السبّاحين في سوريا، وأتمنى العمل على تنشئة جيل واعد، لا سيما في ظل ما ألمسه حالياً من اهتمام متزايد بالرياضة بين الناس، وهو ما ينعكس على إنشاء المزيد من الأكاديميات الرياضية المتخصصة، ونشر ثقافة الرياضة عموماً، والسباحة خصوصاً، بهدف استقطاب عدد أكبر من المواهب للدخول في عالم السباحة، وتمثيل سوريا أفضل تمثيل إقليمياً وعالمياً. ألمس تحسناً في واقع السباحة النسائية محلياً وعربياً، ولكنني أشدد على ضرورة تعزيز التحضير والتدريب على أسس علمية وزيادة مستوى الدعم لمنافسة الأرقام المميزة التي تحققها السبّاحات العالميات في البطولات الدولية.
كيف أثرت الرياضة على حياتك الشخصية والدراسية؟
رغم أنني تحدثتُ سابقاً عن صعوبة التوفيق بين الرياضة والدراسة، فدراسة الصيدلة ليست سهلة، إلا أن الرياضة تساهم في بناء شخصية قوية وواعية، لأنها تتطلب من الرياضي الوصول إلى أفضل نسخة من نفسه بغض النظر عن الضغوط، فضلاً عن حسن التعامل مع ظروف المنافسة والتوتر قبل السباقات. كما تعزز الرياضة أيضاً مفهوم حب الغير انطلاقاً من الروح الرياضية وقبول الهزيمة أحياناً والاعتراف بجهد الآخرين، والمحافظة على احترامهم في ظل المنافسة الشريفة. لقد غيّرت الرياضة حياتي للأفضل، ولا أتخيل يومي دون تمرين.
ما دور العائلة في رحلتك؟ وماذا يعني لك دعمهم؟
دور عائلتي هو الأهم في مسيرتي، فأول خطوة لي في هذا المجال جاءت بسبب والدتي، وأتلقى الدعم من جميع أفراد أسرتي، لا سيما أبي وأمي، وعائلتي جميعاً على اتساعها، حيث يفرحون بنجاحاتي أكثر مني. لقد كانت عائلتي السبب الأبرز في قدرتي على تجاوز العقبات وعدم الاستسلام، فمحبتهم واحتضانهم لي مهنياً وشخصياً جعلتني أتغلب على جميع الصعوبات التي واجهتني، فهم سندي وأشكرهم على ذلك من كل قلبي، وأتمنى أن أواصل تحقيق الإنجازات لأجعلهم فخورين بي.
كيف تتعاملين مع الضغوط النفسية قبل البطولات الكبرى؟
سؤال جميل. في السباحة، توجد غرفة تسمى "غرفة الانتظار/Call Room" مخصصة للسباحين فقط قبل 20 دقيقة تقريباً من السباق، حيث يجلس فيها السباحون بهدوء تام لترتيب أفكارهم والابتعاد عن التشتيت والتركيز في المسافة التي سيقطعونها في السباق المرتقب. لكن هذا الهدوء التام يسبب بعض التوتر لدى الرياضي، مما يستدعي تمتعه بشخصية قوية وثبات انفعالي لمساعدته على التركيز. إن المشاركة الكثيفة في البطولات تجهّز الرياضي للتعامل مع هذا الظرف وتساعده على تحمل الضغوط النفسية المترتبة عليها. أما بالنسبة لي، فأعتمد على ثقتي بنفسي وبقدراتي والجهد الذي بذلته خلال التمارين. لا شك أن الأمر صعب، لكن الثقة بالإمكانيات والإيمان بتوفيق الله عز وجلّ والطموح بتحقيق الإنجاز تساهم في التحلي بالهدوء والقوة والتغلب على الصعوبات والضعف.
ما أحلامك القادمة على الصعيد الرياضي؟
تدفعني إنجازاتي السابقة لتحقيق المزيد. وأتمنى المشاركة أكثر في مختلف البطولات واكتساب خبرة أكبر، لتمثيل وطني بأفضل طريقة ممكنة بجميع المحافل الإقليمية والدولية، وإبراز صورة سوريا بعيداً عن الحرب والدمار، وتحقيق أكبر عدد من الميداليات والألقاب الآسيوية والعالمية.
إذا أُتيحت لك فرصة المشاركة في الأولمبياد، ما الذي ستسعين لتحقيقه؟
المشاركة في الأولمبياد ومنافسة أقوى الرياضيين على مستوى العالم حلمٌ لكل رياضي محترف، وأحلم أن أشارك في هذا الحدث الرياضي الأبرز، وتحقيق أفضل النتائج، وتمثيل سوريا ورفع علمها على منصات التتويج. إن مجرد مشاركة سوريا في الأولمبياد بأكبر عدد من الرياضيين يمثل فخراً عميقاً، وأتمنى أن أحقق نتيجة جيدة في حال مشاركتي، وأحتك بأفضل الرياضيين على الصعيد الدولي، وتحدي الظروف الصعبة وتصدير صورة مشرّفة عن الرياضة السورية، فشعبنا قوي وصامد ويستحق كل التقدير.
ما الرسالة التي تودّين توجيهها للأطفال الذين يحلمون بأن يصبحوا سباحين؟
إن وجود الأكاديميات المتخصصة يمثل خطوة مهمة في سبيل إعداد جيل متمكن ومدرّب على أسس علمية واحترافية، وتأمين مشاركته ضمن البطولات المحلية لاكتساب الخبرة والاحتكاك وصقل المهارات. أدعو جميع أولياء الأمور لتشجيع أبنائهم وبناتهم على ممارسة الرياضة على اختلاف مجالاتها، واختيار الرياضة المناسبة في مرحلة لاحقة. لا شك أن السباحة من أهم الرياضات الموجودة، فهي تساهم في بناء الشخصية والقدرات الجسدية، وأرى انتشاراً أوسع للسباحة في الفترة الأخيرة عملاً بحديث النبي (عليه الصلاة والسلام): علّموا أبناءكم السباحة والرماية. أدعو جميع الأطفال إلى مواصلة العمل والتدريب، والحفاظ على شغفهم الرياضي.
من هي سبّاحتك المفضلة عالمياً؟ ولماذا؟
سباحتي المفضلة بلا شك هي والدتي لبنى معلّا، فهي بطلة عالمية حققت عشرات الإنجازات خلال مسيرتها، وهي أيضاً المشرفة على تدريبي وسبب دخولي في هذا المجال. أما على الصعيد العالمي، أتطلع إلى السباحة الكندية سمر مكنتوش، فهي متخصصة في مسافاتي نفسها، وهي بطلة العالم ومن أقوى السبّاحات الموجودات على الساحة في الوقت الحاضر.
كلمة أخيرة؟
أتوجه بالشكر إلى البعثة السورية في دورة ألعاب التضامن الإسلامي السادسة التي أقيمت مؤخراً في الرياض، لقاء تشجيعهم وفرحتهم بإنجازي فيها، كما أشكر أيضاً السيد وزير الرياضة السوري لقاء تواصله معي وتهنئته لي على هذا الإنجاز، والشكر موصول لكم ولكل المحبين والداعمين وأتمنى أن أكون دائماً عند حسن ظنكم.
وفي الختام، أشكركم على هذه المقابلة وعلى الأسئلة الجميلة، وأتمنى التوفيق لجميع الرياضيين السوريين، فهدفنا واحد في تمثيل وطننا بأفضل طريقة ممكنة ورفع علم بلدنا في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، وأشجع جميع الرياضيين على التحلّي بالروح الرياضية وأن نكون سبباً في تأليف قلوب السوريين بعد سنوات الانقسام.




0 تعليقات